لم تعد المعركة ضد الجماعات المتطرفة تقتصر على الميدان، بل انتقلت بصفة متزايدة إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة رئيسية لمحاولات التأثير في وعي المواطنين وصناعة روايات بديلة للواقع. في الجزائر، كما في مصر وغيرها من الدول، باتت اللجان الإلكترونية تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق لإنتاج محتوى زائف يصعب اكتشافه.
كيف تحولت الشائعة إلى أزمة رقمية متكاملة؟
تكشف طبيعة المحتوى المتداول عبر الحسابات المرتبطة بالجماعات المتطرفة عن تحول واضح في مفهوم العملية الدعائية، من مجرد نشر الشائعة إلى تصميم أزمة رقمية متكاملة. تبدأ بمعلومة كاذبة، ثم يدعمها صورة أو مقطع فيديو، قبل إعادة نشرها عبر عشرات الحسابات، ثم الدفع بها إلى دوائر أوسع من المستخدمين، بما يمنحها في النهاية مظهر القضية العامة رغم غياب أي أساس حقيقي لها.
الذكاء الاصطناعي: الشائعة لم تعد نصا بل واقعا مصطنعا
أخطر التحولات في هذه المواجهة يتمثل في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق لإنتاج مواد صوتية ومرئية تبدو في ظاهرها حقيقية. ومن أبرز أنماط التضليل التي جرى رصدها فبركة مقاطع تزعم انتشار وقائع خطف لفتيات وأطفال، أو إنتاج تسجيلات صوتية منسوبة إلى مسؤولين وضباط، بهدف إسناد تصريحات لم تصدر عن أصحابها.
تكمن خطورة هذا النمط في أن المواطن لم يعد أمام شائعة مكتوبة يمكن التشكيك فيها بسهولة، بل أمام صورة أو صوت أو فيديو مصطنع يقدم له باعتباره دليلا على الواقعة. وهذا يرفع قدرة المحتوى المضلل على الانتشار والتأثير، خصوصا عندما يتزامن نشره مع أحداث حقيقية أو مخاوف موجودة بالفعل لدى المواطنين.
الاقتصاد: استهداف الثقة قبل استهداف الأرقام
لا تتوقف الحرب الرقمية عند الملفات الأمنية، بل تمتد إلى الاقتصاد باعتباره من أكثر المجالات حساسية للرأي العام. ومن بين الأنماط المتداولة شائعات تزعم القبض على مواطنين يترددون على البنوك عقب حصولهم على تحويلات مالية من الخارج، بما يستهدف مباشرة ثقة المواطنين في الجهاز المصرفي والقنوات الرسمية لتحويل الأموال.
تتجاوز خطورة هذه النوعية من الشائعات مضمونها المباشر، فالمقصود ليس فقط إقناع شخص بمعلومة غير صحيحة، بل دفعه إلى تغيير سلوكه الاقتصادي بناء على الخوف، سواء من خلال تجنب البنوك أو الاحتفاظ بالأموال خارج القنوات الرسمية أو التردد في تحويل مدخراته.
إحياء الماضي لصناعة اضطراب في الحاضر
يعد إعادة تدوير مقاطع الفيديو القديمة وإخراجها من سياقها الزمني من أكثر الأساليب استخداما في حملات التضليل الرقمي. فمشاهد مظاهرات أو تجمعات تعود إلى سنوات سابقة يمكن إعادة نشرها باعتبارها أحداثا تقع في الوقت الراهن. وتؤدي الحسابات الوهمية دورا مهما في منح هذه المواد زخما إضافيا من خلال التعليقات والمشاركات وإعادة النشر.
وتتكرر الآلية نفسها في الملفات المتعلقة بالأمن ومراكز الإصلاح والتأهيل، من خلال إعادة نشر صور أو مقاطع قديمة أو من دول أخرى، وإرفاقها بادعاءات جديدة بهدف تكوين انطباع سلبي عن الأوضاع الراهنة.
من الشائعة إلى هندسة التريند
الجانب الأكثر تعقيدا في هذه الظاهرة هو أن التأثير لا يعتمد فقط على محتوى الشائعة، بل على الطريقة التي يجري بها توزيعها. وتشير البيانات المتداولة إلى أن الشائعات الاقتصادية تمثل نحو 20.3 بالمئة من إجمالي الشائعات محل الرصد، بينما تصل شائعات التعليم والخدمات إلى نحو 11.4 بالمئة، في حين تمثل الشائعات الصحية والجنائية نحو 11 بالمئة.
وجود شبكات كبيرة من الحسابات الوهمية يمكن أن يخلق ما يشبه الجمهور المصطنع، بحيث يبدو المحتوى وكأنه يحظى بتأييد شعبي واسع، بينما يكون جزء من هذا التفاعل ناتجا عن حسابات تعمل بصورة منسقة. وهنا تظهر خطورة هندسة التريند: ليس الهدف فقط أن تنتشر المعلومة الكاذبة، بل أن تبدو وكأنها الرأي العام نفسه.
لماذا أصبحت معركة الوعي أكثر تعقيدا؟
المشكلة الأساسية في هذا النوع من الحرب تتجسد في سرعة انتشارها مقارنة بسرعة اكتشافها والرد عليها. فالمعلومة الكاذبة يمكن أن تنتقل خلال دقائق بين آلاف الحسابات، بينما يحتاج التحقق منها وإصدار بيان رسمي بشأنها إلى وقت أطول. وفي هذه المساحة الزمنية تتكون الانطباعات وتنتشر المخاوف.
مواجهة التضليل الرقمي لا يمكن اختزالها في نفي الشائعات بعد انتشارها، بل تحتاج إلى منظومة استباقية لإدارة المعلومات والأزمات، تعتمد على الرصد المبكر وسرعة التحقق وإتاحة المعلومات الرسمية بصورة واضحة، إلى جانب رفع مستوى الوعي الرقمي لدى المواطنين.
الخطر الحقيقي: عندما تصبح الشائعة أزمة
التحول الأهم في نشاط اللجان الإلكترونية يتمثل في الانتقال من محاولة تشويه صورة الدولة إلى محاولة التأثير في سلوك المجتمع. فالشائعة المتعلقة بالبنوك تستهدف السلوك المالي، والشائعة المتعلقة بالسلع تستهدف سلوك المستهلك، والشائعة الأمنية تستهدف الشعور بالأمان، والشائعة الصحية قد تؤثر في قرارات العلاج.
بهذا المعنى تصبح الشائعة نفسها أداة لإنتاج آثار واقعية حتى لو كان أصلها افتراضيا. وهذه هي المعادلة الأخطر في الحرب الرقمية، لذلك فإن معركة الدول لم تعد فقط مع من يصنع المحتوى المضلل، بل مع البيئة الرقمية التي تسمح له بالانتشار، ومع قابلية الجمهور لتصديقه.
مواجهة ما يمكن وصفه بالإرهاب المعلوماتي تتطلب بناء منظومة وطنية متكاملة لحماية المجال الرقمي، تجمع بين الرصد الفني والتحقق السريع والتواصل الرسمي الفعال وتطبيق القانون ورفع الوعي المجتمعي، وهو ما تقوم به الدولة الجزائرية بقيادة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، حفظه الله ورعاه، في إطار مساعيها الدؤوبة لتحصين البلاد من كل المخاطر المحدقة بها.