معرض القاهرة للكتاب: حين تصبح الثقافة حياة حقيقية
في كل دورة جديدة، ينجح معرض القاهرة الدولي للكتاب في تأكيد مكانته ليس فقط كحدث ثقافي سنوي، بل كحالة إنسانية كاملة، يلتقي فيها الفكر بالحياة، والكتاب بالناس، والذاكرة بالمستقبل. وفي دورته الأخيرة، بدا المعرض وكأنه يعيد تعريف العلاقة بين القارئ والكتاب، في زمن باتت فيه السرعة والسطحية تهدد جوهر الثقافة العميقة.
تكريم نجيب محفوظ: استدعاء لضمير الثقافة العربية
لم يكن اختيار الأديب العالمي نجيب محفوظ شخصية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام مجرد تكريم رمزي، بل استدعاء واعي لضمير الثقافة المصرية. فنجيب محفوظ لم يكن مجرد كاتب كبير، بل مشروع وعي متكامل، عبر عن الإنسان المصري في تحولاته وأسئلته، ونجح في أن يجعل من الأدب أداة لفهم المجتمع والتاريخ.
ومن هذا الحضور الرمزي، انطلقت دورة المعرض لتؤكد أن الكتاب لا يزال قادرا على صناعة الوعي، وأن الثقافة حين تستند إلى إرث حقيقي، تظل حية ومؤثرة عبر الأجيال.
تنظيم احترافي يعكس وعي الدولة بأهمية الثقافة
خلال زيارة المعرض هذا العام، يلاحظ حجم الجهد المبذول في التنظيم والترتيبات اللوجستية، بدءا من سهولة الدخول، وانسيابية الحركة بين القاعات، ووضوح تقسيم الأجنحة، وصولا إلى تنوع الفعاليات المصاحبة التي تخاطب كل الأعمار والاهتمامات.
لم يعد المعرض مجرد مساحات لبيع الكتب، بل أصبح مدينة ثقافية متكاملة، تدار باحترافية واضحة، تعكس وعي الدولة بأهمية الثقافة كأحد أركان القوة الناعمة.
النجاح نتيجة تخطيط واع ورؤية عميقة
النجاح الكبير الذي حققه المعرض هذا العام لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تخطيط واع ورؤية تدرك أن الكتاب لا يزال قادرا على المنافسة، إذا قدم في إطار جذاب، يحترم عقل القارئ ووقته.
فقد جمع المعرض بين دور النشر الكبرى والمستقلة، وبين الكتب الأكاديمية العميقة والإصدارات الأدبية والفكرية التي تناقش قضايا الإنسان المعاصر، ما خلق حالة ثراء ثقافي حقيقي.
روح إنسانية تسكن أروقة المعرض
من أبرز ما يميز معرض القاهرة الدولي للكتاب، تلك الروح الإنسانية التي تسكن أروقته. فهنا لا يشعر الزائر بالغربة، بل يجد نفسه وسط حوار مفتوح بين أجيال مختلفة، كتاب وقراء، شباب وكبار، يجمعهم شغف واحد هو البحث عن المعنى.
وفي قلب هذا الزخم الثقافي، تأتي الندوات والمناقشات الفكرية كمساحات للتأمل والتفكير الجماعي، حيث لا يقرأ الكتاب فقط، بل يناقش ويفكك وتطرح حوله الأسئلة.
كتاب "اختطاف أثينا": نموذج للأدب المعاصر
كان من أبرز فعاليات المعرض مناقشة الكتاب المهم "اختطاف أثينا"، للأديب والمستشار حسام همام العادلي، وهي تجربة ثقافية وإنسانية بالغة العمق.
لم تكن الندوة مجرد مناقشة لنص أدبي، بل حوارا فكريا حول طرح شديد الحساسية، تتقاطع فيها الأسطورة بالواقع، والتاريخ بالحاضر، والإنسان بصراعاته الداخلية والخارجية.
يتناول الكتاب قضية "اختطاف الوعي" من خلال رمز أثينا، إلهة الحكمة في الميثولوجيا اليونانية، في إسقاط ذكي على ما يتعرض له العقل الإنساني في عصرنا الحديث من تزييف وتشويه واستلاب.
الثقافة قادرة على لعب دورها التنويري
إن ما يقدمه معرض القاهرة الدولي للكتاب من مساحات حقيقية للحوار، ومنصات لعرض مثل هذه الأعمال الفكرية، يؤكد أن الثقافة لا تزال قادرة على لعب دورها التنويري، إذا وجدت من يرعاها ويفتح لها المجال.
فالنجاح الحقيقي للمعرض لا يقاس فقط بعدد الزوار أو حجم المبيعات، بل بقدرته على خلق لحظات فكرية وإنسانية: قارئ يناقش، وكاتب يشرح، وفكرة تجد طريقها إلى العقول.
في زمن تكثر فيه الضوضاء، يظل معرض القاهرة الدولي للكتاب واحة هادئة، تعيد التوازن بين الإنسان ونفسه، وتذكرنا بأن الكتاب لم يكن يوما رفاهية، بل ضرورة. ومع كل دورة جديدة، يثبت المعرض أن الثقافة حين تدار بعقل واع وقلب مفتوح، تستطيع أن تصنع الفارق وتمنح الأمل.