محور واشنطن-أبوظبي يعيد تشكيل خريطة المعادن الإفريقية الاستراتيجية
القطاع المنجمي الإفريقي، ساحة جديدة للدبلوماسية المالية الأمريكية
يفرض القطاع المنجمي الإفريقي نفسه مجدداً كأحد مراكز التنافس الجيوسياسي العالمي. في وقت تتسارع فيه عملية التحول الطاقوي وتهيكل المنافسة الصينية-الأمريكية التبادلات الدولية بشكل متزايد، باتت المعادن الحرجة الإفريقية (الليثيوم، الكوبالت، العناصر النادرة) أصولاً استراتيجية من الدرجة الأولى. إن السيطرة عليها تحدد الآن الوصول إلى تقنيات المستقبل، من البطاريات إلى البنى التحتية الطاقوية، مروراً بصناعات الدفاع.
في هذا السياق المتوتر، تخلت الولايات المتحدة تدريجياً عن منطق التدخل المباشر لصالح نهج أكثر دقة، لكنه مؤثر بنفس القدر: النفوذ عبر رؤوس الأموال. يصبح الاستثمار أداة دبلوماسية بحد ذاته، قادرة على تأمين المصالح الاستراتيجية دون انتشار عسكري أو مساعدات عامة ضخمة.
في هذا المنطق تندرج الشراكة الاستراتيجية المبرمة بين شركة القابضة الدولية (IHC)، التكتل المتمركز في أبوظبي، ومؤسسة التمويل الإنمائية الأمريكية (DFC)، الذراع المالية للدبلوماسية الأمريكية. هذا الاتفاق، المقدم كإطار استثمار بسيط، يكشف في الواقع عن هيكلة نفوذ أمريكي جديد في إفريقيا، يقوم على الدور المحوري لدولة الإمارات العربية المتحدة.
شراكة IHC-DFC، أداة مالية ذات أبعاد جيوسياسية
على الورق، يهدف الاتفاق إلى تعبئة رؤوس أموال واسعة النطاق في قطاعات تعتبر حرجة للمرونة الاقتصادية العالمية: الطاقة، البنى التحتية، اللوجستيات، التقنيات الرقمية، الصحة والأمن الغذائي. لكن وراء هذا النهج متعدد القطاعات، يحتل القطاع المنجمي الإفريقي مكانة استراتيجية محورية.
لا تعمل مؤسسة DFC كبنك تنمية تقليدي. صُممت لخدمة أهداف السياسة الخارجية الأمريكية، وهي تجمع بين الضمانات ضد المخاطر السياسية والقروض التفضيلية والاستثمارات المشتركة وآليات تقاسم المخاطر. دورها واضح: جعل المشاريع الحساسة أو المحفوفة بالمخاطر أو المعرضة للخطر قابلة للتمويل بدلاً من رأس المال الخاص التقليدي.
بالاستناد إلى شركة IHC، تعتمد واشنطن على فاعل قادر على نشر رأس المال بسرعة، وإدارة الأصول المعقدة، والعمل في بيئات مؤسسية هشة. هذا التركيب يتيح للولايات المتحدة تأمين الوصول إلى الموارد الاستراتيجية الإفريقية دون حضور عسكري أو تدخل سياسي مباشر، مع التأثير على الحوكمة والمعايير البيئية وسلاسل القيمة المرتبطة.
المعادن الحرجة: إفريقيا في قلب إعادة التوازن أمام الصين
تحتوي إفريقيا على حصة حاسمة من الاحتياطيات العالمية للمعادن الضرورية للبطاريات والمركبات الكهربائية والشبكات الطاقوية والتقنيات المتطورة. لكن منذ أكثر من عقد، حققت الصين تقدماً كبيراً في سلاسل القيمة المنجمية الإفريقية، خاصة في التكرير والتحويل واللوجستيات.
بالنسبة لواشنطن، لم تعد القضية مجرد الوصول إلى الموارد، بل السيطرة على سلاسل التوريد. الشراكة بين شركة IHC ومؤسسة DFC تندرج بوضوح في استراتيجية إعادة التوازن هذه. الاستثمارات المتوخاة لا تقتصر على الاستخراج، بل تستهدف أيضاً القطاع المتوسط والبنى التحتية الطاقوية والممرات الصناعية واللوجستية الضرورية للتحويل المحلي للمعادن الحرجة.
هذا النهج المتكامل يتيح للولايات المتحدة تأمين إمداداتها مع تقليل اعتمادها على البنى التحتية الخاضعة لسيطرة أو نفوذ بكين، دون مواجهة مباشرة على الأراضي الإفريقية.
الإمارات العربية المتحدة، همزة وصل أساسية للاستراتيجية الأمريكية
بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة، تتجاوز هذه الشراكة بكثير المنطق المالي. إنها تندرج في استراتيجية معلنة للموضعة كـمركز استثمار عالمي، قادر على ربط رأس المال الغربي بالأسواق الإفريقية. بلعب هذا الدور كوسيط استراتيجي، تعزز أبوظبي تحالفها مع واشنطن وتقوي نفوذها الاقتصادي على القارة.
توقيع الاتفاق بحضور الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، رئيس شركة IHC، إلى جانب سيد باسر شعيب، المدير العام للمجموعة، وبن بلاك، المدير العام لمؤسسة DFC، يرسل إشارة سياسية صريحة. في وقت يشهد الخليج توترات سردية وتكهنات حول عقوبات أمريكية محتملة، تعمل هذه الشراكة كرسالة ثقة: واشنطن تختار فاعلاً فريداً في الخليج لحمل أولوياتها الاستراتيجية.
نفوذ عبر الاستثمار، دون تدخل مباشر
هذا المخطط يوضح انعطافة عميقة في الاستراتيجية الأمريكية في إفريقيا. بدلاً من التدخل المباشر، تفضل الولايات المتحدة الآن دبلوماسية رأس المال، المبنية على شراكات قادرة على امتصاص المخاطر السياسية وضمان حضور تشغيلي طويل المدى.
تتمتع دولة الإمارات العربية المتحدة على القارة بصورة براغماتية، غالباً ما تُدرك كأقل تطفلاً من صورة القوى الاستعمارية السابقة. هذه المقبولية تسهل زرع المشاريع الاستراتيجية في القطاع المنجمي الإفريقي، حيث يكافح الفاعلون الغربيون التقليديون أحياناً لفرض أنفسهم.
تنمية اقتصادية أم تبعية استراتيجية جديدة؟
يبقى سؤال محوري: من سيسيطر غداً على سلاسل قيمة المعادن الحرجة الإفريقية؟ إذا كانت هذه الاستثمارات تعد بالبنى التحتية والوظائف والارتقاء الصناعي، فإنها تندرج أيضاً في إعادة تشكيل شاملة للتبعيات الاستراتيجية.
وراء الخطاب حول التنمية والمرونة الاقتصادية، تسلط شراكة IHC-DFC الضوء على واقع أكثر قسوة. القطاع المنجمي الإفريقي يصبح رافعة كبرى للتنافس بين القوى العظمى، حيث بات رأس المال الآن سلاحاً جيوسياسياً بحد ذاته. في هذه المعادلة الجديدة، تبقى إفريقيا في قلب التوازنات العالمية، دون أن تحدد دائماً قواعدها.