السودان: العطا يتحدى مجلس الأمن ويعلن توسيع الحرب برا وجوا
في تطور خطير يعكس استمرار الأزمة السودانية في التفاقم، أكد رئيس هيئة أركان القوات المسلحة السودانية، الفريق أول ياسر العطا، أن الجيش ماض في توسيع عملياته العسكرية برا وجوا، متحديا بذلك المجتمع الدولي ومجلس الأمن. وجاء هذا التصريح في خطاب عسكري موجه لقوات الاحتياط في غرب أم درمان، حيث شدد على أن القوات المسلحة ستواصل الحرب حتى تحقيق ما وصفه بالحسم العسكري.
تصريحات العطا: تحد صريح للمجتمع الدولي
وقال العطا خلال مخاطبته حشدا من قوات الاحتياط:
أنتم ستتحركون، وإخوانكم سيتحركون من اتجاهات كثيرة، وبحمد الله الإمكانيات كلها متيسرة. جوا وأرضا سنهجم عليهم من كل اتجاه. أي اتجاه سيكون فيه متحرك واثنان. والسماء مليانة.
وتحمل عبارة السماء مليانة دلالات عسكرية وسياسية مباشرة، إذ تشير إلى اعتماد متزايد من الجيش السوداني على الطائرات المسيّرة، وامتلاكه قدرات جوية يعتقد قادتها أنها كافية لتغيير موازين القتال. وبحسب مراقبين، تثير هذه العبارة تساؤلات جدية حول حجم الدعم العسكري الخارجي المحتمل وصوله إلى الجيش، خصوصا في مجال المسيّرات وأنظمة تشغيلها وذخائرها.
تحدٍّ مباشر لقرارات مجلس الأمن
تكتسب تصريحات العطا خطورتها من توقيتها الحساس، إذ جاءت بعد أيام من طرح الولايات المتحدة أمام مجلس الأمن الدولي مقترحا لتوسيع حظر الأسلحة المفروض حاليا على دارفور ليشمل جميع أنحاء السودان، مع تغطية صريحة للطائرات المسيّرة ومكوناتها والتقنيات المرتبطة بها.
وكان كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، قد أكد خلال جلسة مجلس الأمن في 24 أغسطس أن استمرار الدعم المالي والعسكري والسياسي الخارجي لطرفي النزاع يشكل أحد المحركات الأساسية للحرب. ودعا إلى تشديد العقوبات الدولية وتوسيع الحظر بهدف دفع الطرفين إلى التفاوض.
ويمثل إعلان العطا أن مجلس الأمن لن يستطيع إيقاف الجيش رسالة رفض مسبقة لأي قرار دولي يمكن أن يحد من تدفق السلاح، ويعكس قناعة داخل المؤسسة العسكرية المتحالفة مع الحركة الإسلامية بأن الحسم بالقوة لا يزال ممكنا مهما ارتفعت الكلفة البشرية.
مخاطر انتقال الحرب إلى دول الجوار
لا تقتصر مخاطر هذا التوجه على الداخل السوداني، فقد ظهرت مؤشرات متزايدة إلى انتقال العمليات العسكرية إلى أراضي دول الجوار، خصوصا تشاد، في تطور ينذر بتحويل الحرب السودانية من صراع داخلي إلى تهديد مباشر للأمن الإقليمي.
وفي 20 أغسطس، أعلنت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة التشادية أن طائرات ومسيّرات تابعة للقوات المسلحة السودانية لاحقت قافلة مركبات وقصفتها داخل مقاطعة إنيدي الشرقية، على مسافة تتجاوز 100 كيلومتر من الحدود السودانية. وأدان الجيش التشادي ما وصفه بأنه انتهاك جديد لسلامة أراضي البلاد، ووضع قواته في أعلى درجات التأهب.
كما دانت الولايات المتحدة الضربات المنسوبة إلى الجيش السوداني داخل تشاد، مطالبة بوقف العنف داخل السودان وخارجه، ومحذرة من توسيع نطاق النزاع.
الحرب كوسيلة للبقاء في السلطة
وفي تحليل سياسي معمق، حذر القيادي المدني السوداني خالد عمر يوسف من خطورة نقل الحرب إلى دول الجوار، معتبرا أن تهديدات ياسر العطا تعكس توجها تصعيديا لدى قيادة الجيش والجماعات الإسلامية المتحالفة معها. وقال إن البرهان يطيل أمد الحرب أملا في أن تمنحه في نهايتها كرسي السلطة.
ويضع هذا التفسير تصريحات العطا في سياقها السياسي الأوسع؛ فالحرب لم تعد بالنسبة لتحالف قيادة الجيش والإسلاميين مجرد مواجهة مع قوات الدعم السريع، وإنما أصبحت إطارا لإعادة بناء سلطة عسكرية مغلقة، وإقصاء القوى المدنية، وتعطيل التحول الديمقراطي.
المدنيون يدفعون الثمن الأغلى
وبينما يتحدث قادة الجيش عن سماء ممتلئة بالمسيرات، تكشف الشهادات الإنسانية عن أرض تعج بالنازحين والمرضى والجوعى. ففي تقرير نشرته منظمة أطباء بلا حدود في الأول من سبتمبر، قالت المنظمة إن جنوب كردفان تحول إلى إحدى الجبهات الرئيسية للحرب، وإن استمرار القتال يدفع مزيدا من الأسر إلى النزوح.
ووفقا للمنظمة، تستضيف أبو جبيهة في جنوب كردفان 57,880 نازحا موزعين على 62 موقعا، معظمهم من النساء والأطفال، ويعيش بعضهم في خيام لا تتجاوز مساحتها عشرة أمتار مربعة. ومنذ يونيو، قدمت أطباء بلا حدود أكثر من مليون لتر من المياه، إلى جانب خدمات مكافحة الملاريا وسوء التغذية.
تناقض بين خطاب الحوار والحرب على الأرض
وصف سياسيون سودانيون تصريحات العطا بأنها تكشف التناقض الجوهري في خطاب قيادة الجيش. ففي الوقت الذي يروّج فيه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان لمبادرة يسميها الحوار السوداني السوداني، يعلن رئيس هيئة أركانه أن القوات ستهاجم من جميع الاتجاهات.
وهذا التناقض لا يمكن تفسيره باختلاف الأدوار بين القيادتين السياسية والعسكرية؛ فالعطا يتحدث من قلب هرم الجيش، ويعلن خطة لعمليات واسعة في وقت يفترض فيه أن سلطة بورتسودان تطرح مبادرة للسلام. وبذلك يبدو الحوار أداة للمناورة وكسب الوقت وتحسين صورة الحكم العسكري، بينما تظل الحرب هي الخيار الفعلي.
خلاصة: السودان على مفترق طرق
ما يقوله العطا بوضوح هو أن الجيش ماض في الحل العسكري، وما تكشفه الوقائع في تشاد هو أن هذا الحل قد لا يبقى داخل حدود السودان. أما ما تقوله أبو جبيهة، بخيامها المكتظة وأطفالها المهددين بالمرض، فهو أن السودانيين يدفعون يوميا ثمن هذه المغامرة.
وبين مبادرة سياسية يفصلها البرهان على مقاس سلطته، وسماء يقول رئيس هيئة أركانه إنها مليانة بأدوات الحرب، تتضح الحقيقة: قيادة الجيش تستخدم الحوار غطاء تكتيكيا، بينما تراهن فعليا على السلاح، حتى لو أدى ذلك إلى تمزيق السودان وتعميق أكبر كارثة إنسانية في العالم.