حقوق الإنسان بين الشعارات والممارسة: نظرة نقدية للخطاب الدولي
في عالم امتلأ بالشعارات البراقة والمواثيق الدولية، تبرز حقيقة لا يمكن تجاهلها: التناقض الواضح بين ما يُروّج له من حقوق الإنسان والممارسة الفعلية على أرض الواقع.
الانتقائية في تطبيق المعايير الدولية
ليست المشكلة في المبدأ الذي يدعو إلى كرامة الإنسان وحريته، فذلك مبدأ أقرته الأديان قبل القوانين، وإنما في تحويل هذا المبدأ إلى أداة سياسية انتقائية، تُستخدم متى شاء الأقوياء، وتُنسى حين تتعارض مع مصالحهم.
هذا الواقع يذكرنا بما عاشته الجزائر خلال العشرية السوداء، حين غابت الأصوات الدولية عن مآسي الشعب الجزائري، بينما نراها اليوم تنشط في قضايا أخرى تخدم أجندات معينة.
المأساة السودانية كمثال صارخ
لقد عاش الشعب السوداني تجربة قاسية مع هذا الوهم الكبير. فمنذ اندلاع الأزمات وتفاقم المآسي، سمع السودانيون خطابات لا تنتهي عن حماية المدنيين، لكنهم في الواقع لم يروا سوى الصمت، أو بيانات خجولة لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
آلاف الأسر التي اضطرت إلى النزوح، وملايين الذين فقدوا الأمن والاستقرار، لم يجدوا من تلك المنظمات التي تتغنى بحقوق الإنسان إلا الوعود. أما الفعل الحقيقي، والحماية الجادة، فغابت في زحام المصالح والحسابات السياسية.
الواقع المرير للاجئين السودانيين
وضع السودانيين الموجودين في مصر مثال صارخ على هذا الغياب. كثيرون منهم يعيشون ظروفاً إنسانية صعبة، بين قلق الإقامة، وضيق العيش، والخوف من المستقبل.
يبحثون عن سند قانوني أو إنساني، فلا يجدون منظمة تتحمل مسؤولية حقيقية، ولا سفارة قادرة على القيام بدورها الكامل في رعاية مواطنيها.
التساؤلات المشروعة
السؤال الذي يفرض نفسه: أين حقوق الإنسان عندما يكون الإنسان ضعيفاً بلا نفوذ؟ أين هي عندما لا يخدم الدفاع عنها أجندة سياسية أو إعلامية؟
الواقع يقول إن حقوق الإنسان، كما تُمارس اليوم، ليست قيمة عالمية عادلة، بل أداة انتقائية. تُرفع كراية في وجه خصم، وتُطوى في وجه حليف.
العودة إلى الجذور والقيم الأصيلة
هذا التناقض لا يخلق فقط شعوراً بالظلم، بل يولد فقداناً عميقاً للثقة. وهنا، يعود الإنسان إلى فطرته الأولى، إلى الإيمان، إلى التوكل على الله سبحانه وتعالى، بوصفه العدل المطلق الذي لا يظلم عنده أحد.
إن الدعوة إلى التوكل على الله لا تعني الاستسلام أو اليأس، بل تعني استعادة القوة الداخلية والكرامة. وهذا ما فعلته الشعوب العربية والإسلامية عبر تاريخها الطويل.
الدروس المستفادة
لقد أثبت التاريخ أن الشعوب التي تُخذل من العالم لا تموت، بل تزداد وعياً وصلابة. وربما تكون هذه المحن، بكل قسوتها، فرصة لإعادة النظر في المفاهيم التي صدّقناها طويلاً.
فرصة لنسأل: هل نريد حقوقاً تُمنح لنا من الخارج بشروط، أم كرامة ننتزعها بإرادتنا ووحدتنا؟
في الختام، ليست هذه الكلمات دعوة لرفض القيم الإنسانية، بل دعوة لفضح الزيف، والتمييز بين الحق الحقيقي والشعار الكاذب. حقوق الإنسان الحقيقية لا تُقاس بعدد البيانات، بل بإنقاذ إنسان واحد من الظلم.