كامب ديفيد 1978.. كيف تحول اسم بطرس غالي إلى «بيتر» في مفاوضات السادات وبيجين؟
في مثل هذا اليوم من سنة 1978، وتحديدا في السادس من سبتمبر، انطلقت أولى جلسات مؤتمر كامب ديفيد الشهير بين الرئيس المصري الراحل أنور السادات والرئيس الأمريكي جيمي كارتر ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيجين، في منتجع كامب ديفيد الجبلي بالولايات المتحدة. اللقاء الذي استمر أسبوعين كاملين، انتهى بتوقيع اتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل، لكنه حمل في تفاصيله اليومية قصصا وطرائف دبلوماسية يكشفها وزير الخارجية المصري آنذاك محمد إبراهيم كامل في مذكراته «السلام الضائع».
لماذا نادى بيجين على بطرس غالي باسم «بيتر»؟
من بين التفاصيل المثيرة التي سجلها كامل في مذكراته، تلك اللحظة التي التقى فيها الوفد المصري ببيجين في الطريق خلال جولة تمشيطية مع السادات. يقول كامل إن بيجين أوقف سيارته الكهربائية ونزل منها، وصافح الرئيس السادات متمنيا له الصحة، ثم عانق بطرس غالي وقال للسادات: «إن بيتر صديقي، وطلب مني عندما قابلته أثناء زيارتك الشهيرة للقدس في 19 نوفمبر 1977 أن أناديه باسم بيتر».
بطرس غالي نفسه كشف سر هذه التسمية في كتابه «ستون عاما من الصراع في الشرق الأوسط»، موضحا أن بيجين لاحظ أن السادات كان يناديه أحيانا بطرس وأحيانا أخرى بيتر، حيث أن بطرس هو الاسم العربي لبيتر الحواري. وحين علم بيجين أن السادات ينادي بطرس بـ«بيتر» عندما يكون راضيا عنه، وبـ«بطرس» عندما يكون غير راض، وجد في ذلك طرافة كبيرة وقرر أن يستخدم الاسمين لكن بالعكس: فيناديه بيتر عندما يغضب منه، أي عندما يجد فيه عائقا أمام دبلوماسيته، ويناديه بطرس عندما يجده مسالما. هذه الطريقة أسعدت السادات كثيرا، لكن بيجين استخدمها بإفراط في كامب ديفيد حتى تحولت إلى شيء ثقيل، وإن كانت طريقته في خلق نوع من التقارب مع السادات.
اجتماع السادات وكارتر الأول.. تشاؤم أم تفاؤل؟
في صباح ذلك اليوم، بدأ السادات وكارتر اجتماعهما المنفرد في مقر إقامة الرئيس الأمريكي بالمنتجع، واستمر نحو ساعة. وبعد عودته، أخبر السادات كلا من كامل وبطرس غالي أنه شرح مشروع «إطار السلام» المصري لكارتر، وأن الأخير كان يستمع إليه بتمعن دون تعليق. وأبلغه كارتر أنه سيلتقي ببيجين على انفراد ثم يجتمع الثلاثة بعد الظهر.
وعبر كارتر عن أهمية المؤتمر، قائلا إن فشله قد يعني انعدام الأمل في استئناف المفاوضات المباشرة من جديد، مما سيعقد الأمور ويضيع فرصة التسوية، كما سيكون له تأثير سلبي على مركزه السياسي. فرد عليه السادات بأنه إذا فشل المؤتمر فلن يكون هو السبب، وإنما بيجين إذا استمر في تشدده وتعنته.
تفاصيل مثيرة.. من «الأسد» إلى «الجذور»
ويكشف كامل أن السادات دعاه وبطرس غالي للتمشي معه للتعرف على المنطقة المحيطة، وقال لهما مازحا: «تصوروا أن الرئيس كارتر الساذج أخبرني أنه يخشى أن يموت الأسد الرئيس السوري حافظ الأسد، لأن ذلك سيكون مصيبة كبيرة». وكانت قد راجت في ذلك الوقت شائعات بأن الرئيس السوري يعاني من سرطان في الحلق وأن حالته خطرة.
وفي المساء، وقبل توجههم إلى العشاء، مر الوفد المصري على السادات الذي كان يشاهد إحدى حلقات المسلسل التلفزيوني الشهير «الجذور»، وأخبرهم أنه قرأ مشروعهم على كارتر وبيجين وسلم الأخير نسخة منه. واتفق الثلاثة على العدول عن فكرة الاتفاق على إعلان مبادئ، وأن يكون هدف المباحثات هو التوصل إلى إطار للتسوية السلمية الشاملة يتيح للأطراف العربية الأخرى الدخول في مفاوضات على أساسه.
كيف تعامل الوفدان المصري والإسرائيلي في قاعة الطعام؟
في أول لقاء بين الوفدين في قاعة الطعام، كان الإسرائيليون يجلسون حول مائدة مستديرة يتوسطهم بيجين وزوجته، وكان يبدو عليهم المرح. وقد حياهم المصريون من بعيد وجلسوا حول مائدتهم، بينما ترك عيزرا وايزمان مكانه وجاء إليهم وصافحهم وجلس معهم برهة أعرب فيها عن تمنياته بنجاح المؤتمر ثم عاد إلى مائدته. ويشير كامل إلى أن بيجين استمر يتناول طعامه في المطعم طوال فترة المؤتمر، على خلاف السادات الذي لم يزره على الإطلاق وكان يتناول طعامه في مقر إقامته.
لكن في المساء، تغير المشهد، فحين دخل الوفد المصري قاعة الطعام وجد الإسرائيليين جالسين حول مائدتهم، لكن جو المرح الذي كان يحيط بهم أثناء الغداء كان قد فارقهم وحل محله جو من العبوس والجدية. فقالوا: لا بد وأن هناك ما يقلقهم، فانتقل المرح إلى مائدتهم.
يذكر أن محمد إبراهيم كامل قدم استقالته في نهاية اجتماعات كامب ديفيد احتجاجا على اتفاقية السلام، وسجل وقائع ما جرى في مذكراته «السلام الضائع» التي تعتبر من أهم الوثائق التاريخية عن تلك الفترة.