صناعة النسيج التركية تنهار وتفقد مكانتها في السوق الأوروبية
تواجه صناعة النسيج والملابس في تركيا أزمة حقيقية تهدد أحد أهم قطاعات الاقتصاد التركي. في الوقت الذي توسع فيه الصين وبنغلاديش حضورهما في السوق الأوروبية، تتراجع الصادرات التركية بشكل مقلق، وسط تحذيرات من انهيار وشيك للقطاع.
عمال يحتجون أمام مصانع مغلقة
في مدينة توكات بوسط الأناضول، تحتج سندس أكان، الأم لثلاثة أطفال، مع زملائها أمام مصنع Şık Makas الذي كانت تعمل فيه حتى أكتوبر الماضي. توقفت الشركة فجأة عن دفع رواتب 1700 موظف خلال الصيف، وفي 7 أكتوبر توقف العمل نهائيا. الصدمة الأكبر جاءت في اليوم التالي عندما تم فصل ألف موظف عبر رسالة نصية قصيرة.
منذ ذلك الحين، ينظم العمال احتجاجات أمام بوابات مكان عملهم السابق في خيمة تضامن. نجحت مثابرتهم جزئيا في تحويل الرواتب المتأخرة الأسبوع الماضي، وحذف "الرمز 22" سيئ السمعة من ملفاتهم كسبب للفصل، والذي كان يحرمهم من إعانات البطالة.
ظروف عمل قاسية ومضايقات
تروي بوس كارا، المتحدثة باسم المجموعة المفصولة، عن مناخ من التحرش وضغط هائل في العمل. فقد حُددت استراحة الذهاب إلى الحمام بخمس دقائق كحد أقصى، ومدة الصلاة بعشر دقائق فقط. وبعد فصلها، فُتح تحقيق بحقها بتهمة الإساءة إلى الرئيس التركي، وقضت 16 يوما في الإقامة الجبرية.
شركة Şık Makas، المؤسسة عام 1939 وواحدة من أكبر 500 شركة صناعية في تركيا، تصدر سنويا 20 مليون منتج من منتجات الدنيم معظمها إلى أوروبا. تصنع لعلامات تجارية مثل Zara وLevi's وH&M، لكنها تواجه ضغوطا متزايدة بسبب التضخم السريع وارتفاع أسعار الفائدة.
قطاع يفقد مئات الآلاف من الوظائف
تعد صناعة النسيج والملابس تقليديا أحد أعمدة الاقتصاد التركي ومصدر دخل لمئات الآلاف من الأسر. يعمل حوالي 1.1 مليون شخص رسميا في هذا القطاع، لكن النقابات العمالية تقدر أن العدد الفعلي أعلى بكثير بسبب عمل اللاجئين والنساء والأطفال بشكل غير قانوني.
يؤكد محمد تركمان، رئيس نقابة BİRTEK-SEN، أن الأجور في هذا القطاع غالبا ما تكون قريبة من الحد الأدنى للأجور، الذي يقل حاليا عن خط الفقر لأسرة من أربعة أفراد. كما أن العمل الإضافي غير المدفوع والعمل في أيام العطلات أمران شائعان.
أرقام مرعبة تكشف حجم الأزمة
تكشف الأرقام الرسمية حجم الأزمة الحقيقية. فقد القطاع 380 ألف وظيفة خلال السنوات الثلاث الماضية، وأغلقت 4500 شركة أبوابها في عام 2025 وحده. الأمر الأكثر إثارة للقلق هو تطور السوق الأهم وهو الاتحاد الأوروبي.
بينما زاد المنافسان الكبيران الصين وبنغلاديش وارداتهما إلى الاتحاد الأوروبي، تراجعت الصادرات التركية بشكل ملحوظ. ووفق بيانات اتحاد مصدري المنسوجات في إسطنبول، ارتفعت واردات الاتحاد الأوروبي من الصين بنسبة 21.8% ومن بنغلاديش بنسبة 17.9% بين يناير ومايو 2025. في الفترة نفسها، انخفضت الصادرات التركية بنسبة 5.1%.
حصة سوقية متراجعة وتشاؤم كبير
نظرا لأن أكثر من 60% من إنتاج الملابس التركية موجه إلى الاتحاد الأوروبي، فإن القلق في القطاع يأخذ طابعا وجوديا. في عام 2025، تراجعت حصة الملابس الجاهزة التركية في سوق الاتحاد الأوروبي إلى أقل من 5% لأول مرة منذ 30 عاما، كما انخفضت حصتها في السوق العالمية إلى أقل من 3% لأول مرة منذ 35 عاما.
ينظر شريف فايات، رئيس مجلس الملابس الجاهزة في اتحاد الغرف والبورصات التركية، إلى المستقبل بتشاؤم كبير. يرى أنه ما دامت الحكومة تتدخل في سوق الصرف للحفاظ على استقرار الليرة بشكل مصطنع، مع بقاء أسعار الفائدة على القروض مرتفعة، فلا توجد فرصة حقيقية للتحسن.
يحذر مصطفى باشاهان، نائب رئيس جمعية مصدري الملابس الجاهزة في إسطنبول قائلا: "لقد وصلنا إلى الحضيض واستنفدنا طاقتنا". بينما يقول جاك إسكينازي، رئيس اتحاد مصدري المنسوجات في منطقة بحر إيجة، بوضوح أن السياسة الحكومية الحالية "مدمرة للإنتاج"، مضيفا: "لم تعد لدينا أي توقعات. نحن نحاول فقط إنقاذ أنفسنا".