الجاهزية العسكرية والرسائل المتناقضة.. لماذا تؤجل واشنطن معركة الحسم مع إيران؟
يبدو أن التوسع البحري الكبير اللي دارو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الشرق الأوسط ما وصلش لحسم استراتيجي، بالعكس عمق حالة عدم اليقين، سواء في طهران ولا في واشنطن. رغم الحشود العسكرية اللي تمثلت في وصول حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" للشرق الأوسط، وكذلك التحذيرات المتكررة، المشهد بقا مفتوح على الاحتمالات بلا انتقال فعلي للعمل العسكري.
تحركات عسكرية بلا ضربات
مع مطلع الأسبوع الجاري، وبالتزامن مع اقتراب مجموعة حاملة الطائرات الأمريكية من الشرق الأوسط، زار قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر إسرائيل، في خطوة اتفسرت على نطاق واسع كمؤشر على تكثيف التنسيق قبيل تحرك محتمل ضد إيران.
غير أن هذه الإشارات القوية ما تترجمتش لضربة عسكرية، رغم تصاعد الخطاب والتحركات الميدانية وتباين المؤشرات اللي تسبق الضربة.
الرئيس الأمريكي صاغ احتمالية التدخل بعبارات إنسانية واضحة، حذر طهران من قتل المتظاهرين، وأكد أن الضغوط الأمريكية أوقفت بالفعل مئات عمليات الإعدام اللي كانت مخططة.
أرقام مخيفة للضحايا
تشير تقديرات من منظمات حقوقية والأمم المتحدة أن عدد الضحايا المدنيين تجاوز 20 ألف، بينما ذكرت افتتاحية لمجلة "إيران إنترناشونال" في 25 يناير رقم أعلى بلغ 36 ألف قتيل، ما يخلي هذه الحملة الأكثر دموية في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
في المقابل، اختارت واشنطن مسار مختلف: خطاب متشدد يقترن بضبط نفس متعمد. وفر نشر حاملات الطائرات أوراق ضغط إضافية، وتوسعت العقوبات والتعريفات الجمركية، وتصاعدت الإشارات الدبلوماسية والعسكرية، لكن الضربات الفعلية ما تنفذتش بعد.
ضبط النفس كخيار سياسي
هذا المشهد يطرح سؤال مركزي: واش اللي يقيد ترامب ويمنعو حتى الآن من توجيه ضربة لإيران؟ الخطاب العلني للرئيس الأمريكي بشأن إيران تضمن مساحة كبيرة للاهتمام الإنساني، لكنو يتعارض مع العقيدة الاستراتيجية الأوسع لإدارتو.
استراتيجية الأمن القومي الصادرة في نوفمبر 2025 تؤكد نهج "أمريكا أولا"، وتعطي الأولوية لتجنب الزج بالقوات الأمريكية في صراعات قد تتحول لـ"حروب ما لها نهاية".
في الوقت ذاتو، تتبنى استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 لهجة أكثر تشدد تجاه إيران، تصفها بخصم استراتيجي دائم، وتحملها مسؤولية "تلطيخ الأيدي بدماء الأمريكيين".
حسابات استراتيجية معقدة
القيود الأعمق للمسألة تكمن في حسابات استراتيجية وسياسية ما تكفيش اللغة الإنسانية لتجاوزها. أول هذه الحسابات هو خطر التصعيد، طهران أوضحت أن أي ضربة أمريكية غاتقابل بردود متعددة الجبهات، تشمل إسرائيل والقواعد الأمريكية وربما طرق الطاقة العالمية.
تشير تقارير أن شركاء إقليميين، من بينهم إسرائيل، دعوا لتوخي الحذر بل والضغط على ترامب لتأجيل الضربة، إدراك منهم أن حتى ضربة محدودة قد تتدحرج لحرب أوسع تشمل المنطقة بأكملها.
في هذا السياق، تبدو الحشود البحرية أداة للضغط والإشارة القسرية أكثر منها تمهيد مباشر للحرب، ما يعكس تفضيل ترامب تفادي كلفة تصعيد قد يتجاوز سريعا أي مكاسب سياسية ولا استراتيجية.
العامل الداخلي الأمريكي
العامل الثاني يتمثل في الحسابات الداخلية الأمريكية. الإرهاق من التدخلات العسكرية في الشرق الأوسط لسا راسخ، وتظهر استطلاعات الرأي معارضة غالبية الأمريكيين لحروب جديدة، حتى لو اتقدمت في إطار إنساني.
يستند ترامب في هويتو السياسية لرفض نمط التدخلات الواسعة، يفضل الجمع بين الخطاب القوي، والعقوبات، واستعراض القوة، بلا الانزلاق لصراع مفتوح.
أما العامل الثالث، فهو جاذبية تحقيق مكاسب استراتيجية بلا حرب. الموقف الحالي للداخل الإيراني يضعف طهران بصورة غير مباشرة، ويزيد الضغط على برنامجها النووي، ويعمق عزلتها الاقتصادية عبر العقوبات والتعريفات.
خيارات مفتوحة بلا حسم
في المحصلة، سياسة ترامب تعكس إدارة دقيقة للتوازن بين الغضب الأخلاقي والقيود الاستراتيجية والمخاطر السياسية. غير أن ضبط النفس ما يعنيش الثبات ولا إغلاق الخيارات.
الوضع القائم يخلي جميع السيناريوهات مفتوحة، من ضربة محدودة ودقيقة قد توفق بين الخطاب الإنساني والردع القسري، لحملة أوسع إذا ما طغت الحسابات الاستراتيجية على سياسة التريث.