كيف أعادت أداة "أنومالي ماتش" كنوزا مخفية في أرشيف هابل
في أعماق أرشيف تلسكوب هابل الفضائي، حيث تراكمت عشرات الملايين من الصور على مدى عقود، كانت تختبئ ظواهر كونية نادرة لم يلتفت إليها أحد، ليس لأنها غير مهمة، بل لأن حجم البيانات فاق قدرة البشر على المعالجة اليدوية.
ورقة بحثية حديثة تكشف كيف استطاعت أداة ذكية تُدعى "أنومالي ماتش" أن تمسح قرابة 100 مليون صورة فلكية في أيام قليلة فقط، وتستخرج منها مئات الأجسام والظواهر غير المعروفة سابقا، فاتحة بابا جديدا في علم الفلك الرصدي.
تقنية متطورة للبحث عن المجهول
تعمل أداة "أنومالي ماتش" تقنيا عبر دمج أكثر من فكرة ذكية في آن واحد، هدفها الأساسي تعليم الخوارزمية كيف تميز "الشيء غير المألوف" في صور الفضاء حتى لو لم يُخبرها أحد مسبقا بما يجب أن تبحث عنه.
تعتمد الأداة على ما يُعرف بالتعلم شبه الخاضع للإشراف، وهو أسلوب يسمح للذكاء الاصطناعي بالتعلم من بيانات غير مصنفة بالكامل، أي صور لم يحدد العلماء محتواها مسبقا.
في هذه الحالة، تمنح الخوارزمية بعض الصور تسميات مؤقتة عندما تكون واثقة من استنتاجها، وهي عملية تُعرف باسم "التوسيم الزائف". كما تُجبر على إعطاء النتيجة نفسها للصورة ذاتها حتى بعد تعريضها لتغييرات شكلية طفيفة مثل التدوير أو تغيير الإضاءة.
من فكرة بسيطة إلى ثورة علمية
لم يولد مشروع "أنومالي ماتش" من فراغ، بل كان ثمرة تساؤل بسيط واجه عالمَي الفلك في وكالة الفضاء الأوروبية، ديفيد أورايان وبابلو غوميز: ماذا لو كانت أرشيفات هابل تخفي ظواهر لم يلاحظها أحد بعد؟
وأمام أكثر من ثلاثة عقود من الصور المتراكمة، أدرك الباحثان أن العين البشرية، مهما بلغت خبرتها، لم تعد كافية لملاحقة هذا الطوفان من البيانات. عندها بدأ العمل على تطوير أداة ذكية قادرة على تمشيط أرشيف هابل كله.
شهور من التدريب والاختبار والمراجعة البشرية قادت في النهاية إلى واحدة من أوسع عمليات التنقيب العلمي في تاريخ المرصد، أعادت فتح ملف "المجهول" في صور ظنّ العلماء أنهم استنفدوا أسرارها.
تعاون بين الإنسان والآلة
لا تعمل "أنومالي ماتش" بمعزل عن الإنسان، بل تُشرك الفلكي مباشرة في عملية التعلم عبر ما يسمى التعلم النشط، أي أن الأداة تعرض على الخبير أكثر الصور غرابة من وجهة نظرها، فيقرر العالم إن كانت فعلا ظاهرة غير مألوفة أم لا.
من الناحية التقنية البحتة، صُممت الأداة لتكون عالية الكفاءة الحسابية، إذ تعتمد على بنية شبكات عصبية متقدمة تُعرف باسم "الشبكة الفعالة"، وهي عائلة نماذج قادرة على استخراج تفاصيل دقيقة من الصور مع استهلاك أقل للموارد.
اكتشافات مذهلة في أرشيف هابل
بعد تطبيق "أنومالي ماتش" على أرشيف تلسكوب هابل الكامل، كانت النتائج لافتة، إذ استخرج الباحثون أكثر من 1300 ظاهرة شاذة فريدة بعد حذف التكرارات، وتبيّن أن نحو ثلثي هذه الأجسام لم يسبق توثيقها أو دراستها في أي ورقة علمية سابقة.
شملت هذه الاكتشافات مئات حالات اندماج المجرات، وهي تصادمات كونية بين مجرتين أو أكثر تؤدي إلى أشكال مشوهة وذيول نجمية طويلة، إضافة إلى عشرات العدسات الجاذبية، وهي ظواهر ينحني فيها الضوء بفعل جاذبية مجرة ضخمة.
كما رُصدت مجرات تُعرف باسم "قنديل البحر"، وهي مجرات تمتد منها أذرع غازية طويلة بسبب فقدانها غازها أثناء حركتها داخل تجمعات مجرية كثيفة، إلى جانب مجرات حلقية نادرة نشأت غالبا عن تصادم مباشر.
مستقبل واعد للتكنولوجيا الفضائية
لا يقتصر مستقبل "أنومالي ماتش" على أرشيف هابل، إذ يمكن تطبيقها على بيانات تلسكوب جيمس ويب الفضائي متعددة الأطوال الموجية، وعلى مسوحات مرصد "فيرا روبن" الليلي، وبيانات مهمة إقليدس الأوروبية.
في المحصلة، تكشف هذه الدراسة أن الاكتشافات الكبرى في علم الفلك لم تعد رهينة التلسكوبات العملاقة وحدها، بل باتت تعتمد أيضا على أدوات ذكية قادرة على التنقيب في البيانات بصبر ودقة غير مسبوقين.
"أنومالي ماتش" ليست مجرد خوارزمية، بل هي نموذج لتحول أعمق في البحث العلمي، حيث تتحول وفرة البيانات من عبء إلى منجم للاكتشاف، ويغدو الذكاء الاصطناعي شريكا حقيقيا في فهم الكون.