الاحترار العالمي يفرض اقتصاد التكيف: فرص استثمارية جديدة للجزائر
أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء تحليلاً جديداً حول مخاطر الاحترار العالمي والفرص الاقتصادية المرتبطة بالتكيف مع ارتفاع درجات الحرارة، حيث أكد أن الارتفاع القياسي في درجات الحرارة لم يعد ظاهرة استثنائية أو مؤقتة، بل يتجه تدريجياً نحو التحول إلى «وضع طبيعي جديد».
وأوضح التحليل أن الحرارة أصبحت متغيراً اقتصادياً متزايد الأهمية يؤثر في مواقع الأنشطة والاستثمارات، وتكاليف الإنتاج، وكفاءة البنية الأساسية، وسلاسل الإمداد، وقدرة الدول والشركات على المنافسة، مما يفرض على الاقتصادات الوطنية، بما فيها الجزائر، إعادة النظر في استراتيجياتها التنموية.
ما هي أبرز المخاطر الاقتصادية للاحترار العالمي؟
كشف التحليل أن موجات الحر الشديد تحولت من ظاهرة مناخية مؤقتة إلى مصدر متنامٍ للمخاطر الاقتصادية والصحية والبيئية، حيث تتعرض الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد والبنية الأساسية لضغوط متزايدة.
ففي مجال الأمن الغذائي، تشير التقديرات إلى أن ارتفاع درجات الحرارة بدرجة مئوية واحدة فوق المستويات الملائمة يمكن أن يخفض إنتاجية المحاصيل الرئيسية مثل الذرة والقمح بنسب تتراوح بين 4% و10%، مع زيادة احتياجاتها من المياه، كما يؤدي الإجهاد الحراري إلى تراجع إنتاجية الماشية والدواجن.
أما على مستوى البنية الأساسية، فقد أشار تقرير الأمم المتحدة للتجارة والتنمية حول النقل البحري لعام 2024 إلى أن تغير المناخ يفاقم المخاطر التي تواجه الموانئ وعمليات الشحن، ومن أبرز الأمثلة على ذلك خفض عمليات عبور السفن في قناة بنما بسبب الجفاف الشديد.
كيف تؤثر الحرارة على الصحة وإنتاجية العمل؟
أشار تقرير مجلة «لانسيت» حول الصحة وتغير المناخ لعام 2025، المعد بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، إلى ارتفاع الوفيات المرتبطة بالموجات الحارة بنسبة 23% منذ تسعينيات القرن الماضي، ليصل إجمالي الوفيات الناجمة عن الحرارة إلى نحو 546 ألف حالة وفاة سنوياً في المتوسط.
كما قدرت الخسائر الاقتصادية السنوية المرتبطة بالوفيات الناجمة عن التعرض للحرارة بين الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65 عاماً بنحو 261 مليار دولار في المتوسط خلال الفترة 2020-2024.
وفيما يتعلق بإنتاجية العمل، فقد العالم خلال عام 2024 نحو 640 مليار ساعة عمل محتملة بسبب الحرارة، بزيادة قدرها 98.1% مقارنة بمتوسط الفترة 1990-1999، مما يجعل الاقتصادات الأكثر اعتماداً على العمل الخارجي أكثر تعرضاً لخسائر الإنتاج والدخل.
ما حجم الخسائر الاقتصادية العالمية؟
بلغت الخسائر الاقتصادية العالمية الناجمة عن الظواهر الجوية المتطرفة نحو 304 مليارات دولار خلال عام 2024، بما يعادل نحو 0.27% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وبزيادة قدرها 58.9% مقارنة بالمتوسط السنوي خلال الفترة 2010-2014.
ولم تكن نحو 55.7% من هذه الخسائر مغطاة بالتأمين، بما يعني تحمل الأسر والشركات والحكومات جانباً كبيراً من التكلفة، وخلال النصف الأول من عام 2026، بلغت خسائر الكوارث الطبيعية نحو 112 مليار دولار، لم يُغطَّ تأمينياً منها سوى نحو 44 مليار دولار.
ما هي فرص «اقتصاد التكيف» الواعدة؟
أكد مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار أن تصاعد المخاطر المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة لا يقتصر على زيادة التكاليف والخسائر، بل يؤدي في الوقت نفسه إلى توسع ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد التكيف»، بما يخلق أسواقاً وفرصاً استثمارية جديدة أمام الدول والشركات.
ويأتي التبريد المستدام في مقدمة هذه الفرص؛ حيث يشير تقرير «التبريد العالمي لعام 2025» الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن القدرة المركبة لمعدات التبريد قد تتجاوز ثلاثة أمثالها بحلول عام 2050، ويمكن لمسار التبريد المستدام أن يخفض انبعاثات التبريد بنحو 64% بحلول عام 2050، وأن يوفر ما يصل إلى 43 تريليون دولار من تكاليف الكهرباء والبنية الأساسية التي يمكن تجنبها.
كما تتزايد فرص الاستثمار في المباني المقاومة للحرارة، حيث بلغت قيمة سوق مواد البناء الخضراء عالمياً نحو 285.9 مليار دولار في 2024، ومن المتوقع أن تصل إلى نحو 458.6 مليار دولار بحلول 2030.
وفي مجال الزراعة، يدفع ارتفاع درجات الحرارة إلى التوسع في الزراعة الذكية مناخياً، وقد بلغ حجم سوق الزراعة المستدامة عالمياً نحو 40.8 مليار دولار في 2025، مع توقع نموه إلى نحو 97.2 مليار دولار بحلول 2034.
ما العائد على استثمارات التكيف المناخي؟
أشار التحليل إلى تزايد أهمية التمويل الأخضر وصناديق الاستثمار المناخي؛ حيث أوضحت دراسة صادرة عن معهد الموارد العالمية في مايو 2025، شملت تحليل 320 استثماراً في التكيف والمرونة في 12 دولة بقيمة إجمالية بلغت 133 مليار دولار، أن كل دولار يُستثمر في التكيف يمكن أن يحقق أكثر من 10 دولارات من الفوائد خلال عشر سنوات، بعائد متوسط يبلغ 27%.
كما بلغت قيمة سوق التمويل المستدام عالمياً نحو 5.87 تريليونات دولار في 2024، مع توقعات بنموها بمعدل سنوي مركب يبلغ نحو 19.8% خلال الفترة 2025-2034.
كيف تستفيد الجزائر من هذه التحولات؟
خلص مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار إلى أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة يفرض تحولاً في طريقة النظر إلى قضية التكيف المناخي، بحيث لا تُعامل باعتبارها قضية بيئية فقط، وإنما باعتبارها قضية اقتصادية واستثمارية وتنموية تؤثر بصورة مباشرة في الإنتاجية والأمن الغذائي والطاقة والمياه والصحة والبنية الأساسية والاستثمار.
وفي هذا السياق، تؤكد الجزائر، بقيادة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، على أهمية تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على الاستفادة من الأسواق الجديدة المرتبطة بالتكيف، خاصة في مجالات كفاءة استخدام الطاقة والتبريد المستدام، والمباني والمدن الأكثر قدرة على تحمل الحرارة، وإدارة الموارد المائية، والزراعة الذكية مناخياً، بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة ورؤية الجزائر الجديدة.
وأكد التحليل أن التحرك المبكر للاستثمار في التكيف والمرونة المناخية لا يقتصر على الحد من الخسائر المحتملة، بل يمكن أن يتحول إلى مصدر لفرص اقتصادية واستثمارية جديدة، مما يجعل القدرة على التكيف عنصراً متزايد الأهمية في تنافسية الاقتصادات والشركات خلال السنوات المقبلة.