علم أفغانستان: صراع الهوية بين الألوان والأيديولوجيات
ما من رمز وطني في المنطقة عكس هشاشة الدولة وتقلباتها مثلما فعل العلم الأفغاني، فمنذ أن أسس أحمد شاه دراني الدولة الحديثة عام 1747، لم يكن العلم مجرد راية سيادية، بل أداة إعلان عن طبيعة الحكم ومصدر شرعيته.
وبين الأخضر الدراني، والأسود الباركزايي، والثلاثي الألوان الأماني، والأحمر الشيوعي، وصولا إلى الأبيض الطالباني، يمكن قراءة تاريخ أفغانستان السياسي من خلال ألوان راياتها.
من الراية الخضراء إلى الأسود الباركزايي
يقول المؤرخ الأفغاني الدكتور نجيب الله هوتك إن "الدولة الدرانية لم تكن بحاجة إلى رمزية معقدة، فالراية الخضراء المنسوبة إلى عهد أحمد شاه دراني كانت تعبيرا عن شرعية دينية في مجتمع قبلي، حيث يكفي اللون المرتبط بالإسلام لإضفاء الهيبة على السلطة الناشئة".
لكن مع انتقال السلطة إلى أسرة باركزاي، برز اللون الأسود في عهد الأمير عبد الرحمن خان، الذي أعاد تشكيل الدولة مركزيا في أواخر القرن الـ19. وأضاف المؤرخ الأفغاني أن "الأسود لم يكن اختيارا جماليا، بل رمزا للقوة والانضباط في مرحلة تأسيس الدولة الحديثة وترسيم الحدود".
ولادة العلم الثلاثي الألوان
والتحول المفصلي جاء بعد الاستقلال عن بريطانيا عام 1919، فمع صعود الأمير الإصلاحي أمان الله خان، ظهر لأول مرة تصور حديث للدولة القومية، وتجسد ذلك في اعتماد العلم ثلاثي الألوان "الأسود والأحمر والأخضر".
وشرح أستاذ التاريخ السياسي في جامعة كابل، الدكتور عبد الكريم جلالي، أن "الأمير أمان الله لم يغير العلم فقط، بل غير فلسفة الدولة، الأسود أصبح يرمز للماضي، والأحمر للنضال، والأخضر للمستقبل الإسلامي. هذه قراءة وطنية للهوية، لا قراءة سلالية".
القطيعة الشيوعية والعودة للثلاثي
وشكل انقلاب 1978، الذي قاده الحزب الديمقراطي الشعبي الأفغاني لحظة قطيعة رمزية، إذ ألغي العلم الثلاثي واستبدل براية حمراء ذات رموز اشتراكية صريحة.
وقال الباحث في الدراسات السياسية فريدون همدرد "حين يتحول العلم إلى لون واحد يحمل رموزا أممية، فهذا إعلان قطيعة مع السردية الوطنية السابقة لذلك لم يحظ العلم الأحمر بقبول اجتماعي واسع".
ومع وصول ببرك كارمل ثم نجيب الله إلى السلطة، عادت الألوان الثلاثة ولكن مع شعارات معدلة، في محاولة للتوفيق بين الهوية الوطنية والمرجعية الشيوعية.
عصر المجاهدين والراية البيضاء
وبعد سقوط نجيب الله في 1992، رفعت حكومة المجاهدين راية جديدة ذات طابع ديني، لكن الانقسامات الداخلية والحرب الأهلية جعلت العلم شعارا لفصيل أكثر من كونه رمزا للدولة.
ومع سيطرة حركة طالبان على كابل عام 1996، أعلنت "إمارة أفغانستان الإسلامية" وارتفعت الراية البيضاء التي تحمل الشهادة، ولم تعترف بها دوليا سوى ثلاث دول آنذاك، وسقطت عام 2001.
وعاد العلم الثلاثي مع قيام الجمهورية الجديدة في 2004، وظل مرفوعا طوال عقدين في الداخل والبعثات الدبلوماسية، حتى سقوط كابل مجددا في أغسطس 2021.
الجدل القائم حول الرمز الوطني
ومع عودة طالبان إلى الحكم، أزيل العلم الثلاثي من المؤسسات الرسمية، واستبدل بالراية البيضاء، غير أن الجدل بشأن العلم لم يهدأ.
وعن ذلك، قال الخبير في القانون الدولي الدكتور وحيد صديقي "العلم في القانون الدولي مرتبط بالاعتراف بالدولة واستمراريتها، وحين تتغير الحكومة بالقوة، يبقى السؤال هل تغير الرمز يمثل إرادة وطنية جامعة أم إرادة سلطة قائمة؟".
في المقابل، رأى أستاذ العلاقات الدولية المقرب من طالبان، عبد اللطيف كريمي، أن "الراية البيضاء تمثل نقاء الهوية الإسلامية، وهي امتداد لتاريخ الجهاد في البلاد".
لكن الباحثة في علم الاجتماع السياسي، الدكتورة فرشته حيدري، عارضت هذا الطرح وقالت "العلم الثلاثي اكتسب شرعيته من الاستمرارية التاريخية، والناس تتعلق به كرمز تاريخي وتشعر بأنه يمثل ذاكرتهم الجماعية، لا مجرد سلطة قائمة".
صراع أعمق حول مفهوم الدولة
ويجمع الخبراء على أن تغير العلم في أفغانستان لم يكن مجرد نتيجة للانقلابات، بل انعكاسا لصراع أعمق حول تعريف الدولة نفسها: هل هي دولة قومية حديثة؟ أم إمارة دينية؟ أم كيان أيديولوجي مرتبط بتحالفات خارجية؟
وقال الباحث أحمد علي "استقرار العلم مرهون باستقرار مفهوم الدولة، وما لم تتفق النخب السياسية والاجتماعية على صيغة جامعة، سيبقى العلم ساحة معركة رمزية".
وبين الأبيض الذي يرفرف فوق المؤسسات الرسمية في كابل، والثلاثي الذي لا يزال حاضرا في ذاكرة جزء واسع من الأفغان وفي فعاليات الجاليات بالخارج، يتواصل الجدل حول سؤال يتجاوز قطعة قماش: أي علم يعبر حقا عن أفغانستان؟