أوروبا قدام خطر جديد: التطرف كيصل للشباب والأطفال عبر الألعاب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي
دقّت مؤسسات الاتحاد الأوروبي ناقوس الخطر من تحوّل الإنترنت إلى ساحة جديدة لتجنيد الشباب والأطفال في الجماعات المتطرفة، مع تصاعد استخدام الألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل وغرف الدردشة والأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لنشر الدعاية وبناء العلاقات واستقطاب عناصر جديدة نحو التطرف والعنف.
ويأتي التحذير الأوروبي في وقت تؤكد فيه السلطات أن التهديد الإرهابي في القارة لم يعد يقتصر على التنظيمات المعروفة أو الهجمات واسعة النطاق، بل أصبح أكثر تفككًا ولا مركزية، فيما تظهر شبكات إلكترونية قادرة على التأثير في شباب صغار السن ودفعهم إلى أعمال عنيفة دون أن يكونوا بالضرورة مرتبطين بشكل مباشر بتنظيم إرهابي تقليدي.
الألعاب الإلكترونية.. بوابة جديدة للتجنيد
لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة للترفيه بالنسبة للأجهزة الأوروبية، إذ باتت بعض البيئات المرتبطة بها تمثل مساحة يمكن أن يستغلها المتطرفون للتواصل مع الأطفال والمراهقين بعيدًا عن أعين الرقابة التقليدية.
وتشير مواد تابعة للمفوضية الأوروبية إلى أن المتطرفين يستغلون الألعاب الإلكترونية لنشر الدعاية، والتطبيع مع مشاهد العنف، وبناء مجتمعات افتراضية، ثم الانتقال من التفاعل داخل الألعاب إلى قنوات أكثر انغلاقًا مثل غرف الدردشة ومنصات البث والمجموعات الخاصة.
وتزداد الخطورة بسبب الطبيعة الاجتماعية للألعاب، حيث يمكن لشخص مجهول أن يبدأ محادثة مع لاعب صغير السن، ثم يبني معه علاقة وثقة تدريجيًا قبل محاولة التأثير في أفكاره أو دفعه إلى الانضمام إلى مجموعات مغلقة.
وأظهرت دراسة هولندية نُشرت في يوليو 2026 أن منصات الألعاب تصل إلى ملايين الأشخاص، بينهم أطفال، وأن البيئات الرقمية مثل “روبلوكس” و“ماينكرافت” يمكن أن تُستخدم للوصول إلى الشباب بشكل مجهول وتشجيعهم على الانضمام إلى جماعات متطرفة أو تنفيذ أعمال لصالحها.
التطرف لم يعد دائمًا أيديولوجيًا
وتكشف التطورات الأخيرة عن نوع جديد من الخطر يثير قلق الأجهزة الأوروبية، وهو ما يوصف بـ“التطرف العنيف العدمي”، حيث لا يكون الدافع الأساسي بالضرورة دينيًا أو سياسيًا، وإنما الانجذاب إلى العنف نفسه والرغبة في الشهرة وإثارة الصدمة عبر الإنترنت.
وقال منسق الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإرهاب، بارتجان فيختر، إن هذا النوع من التطرف يقوده بدرجة كبيرة شباب يتفاعلون عبر الإنترنت، مشيرًا إلى أن بعض الشبكات الإلكترونية تشجع على العنف لمجرد العنف، بينما يمكن أن ينتقل تأثيرها من العالم الافتراضي إلى اعتداءات حقيقية.
وخلال عمليات أمنية نفذتها أجهزة من تسع دول أوروبية في يونيو ويوليو الماضيين، جرى رصد نحو 4340 عنوانًا إلكترونيًا مرتبطًا بمجتمع إلكتروني عنيف يعرف باسم “ذا كوم”، في مؤشر على اتساع حجم البيئة الرقمية التي يمكن أن تحتضن هذا النوع من التطرف.
الذكاء الاصطناعي يضاعف المخاوف
ولا تقتصر المخاطر على منصات التواصل والألعاب، إذ دخل الذكاء الاصطناعي بقوة إلى معادلة التطرف الرقمي.
وتحذر السلطات الأوروبية من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج ونشر الدعاية المتطرفة، وتوسيع عمليات التجنيد، وتوجيه الرسائل إلى فئات محددة، فضلًا عن استخدام تطبيقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي في البحث والتحضير لاعتداءات محتملة.
وبحسب أحدث تقرير للجنة الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، لم تعد الدعاية الإرهابية مجرد وسيلة لنشر الرسائل، بل أصبحت جزءًا من البنية التشغيلية للتنظيمات المتطرفة، تدخل في التجنيد والتطرف والتمويل والتخطيط، مع قدرة أكبر على إنتاج محتوى متكيف ومتعدد اللغات بفضل التقنيات الحديثة.
أوروبا تبحث عن تشديد الرقابة
وتحاول بروكسل تطوير أدواتها لمواجهة هذا التحول، بعدما أقرت المفوضية الأوروبية أن إساءة استخدام التكنولوجيا الجديدة أصبحت تغير طبيعة النشاط الإرهابي، وأن القاصرين باتوا هدفًا متزايدًا لعمليات التطرف عبر الإنترنت.
وفي فبراير 2026، طرحت المفوضية مجموعة إجراءات جديدة لمواجهة الإرهاب والتطرف العنيف، مع التركيز على منع التطرف وحماية الأشخاص على الإنترنت وفي العالم الواقعي.
كما تعمل مؤسسات الاتحاد الأوروبي على تعزيز التعاون بين شركات الألعاب وأجهزة إنفاذ القانون، مع منح يوروبول دورًا أكبر في مراقبة وتحليل إساءة استخدام الألعاب الإلكترونية لأغراض التطرف والتجنيد، ودراسة إرشادات جديدة لمنع استقطاب الأطفال داخل هذه البيئات.
وفي الوقت نفسه، تتعرض شركات التكنولوجيا لضغوط متزايدة لتطوير أنظمة أكثر فاعلية لاكتشاف المحتوى المتطرف ومنع وصوله إلى القاصرين. ويأتي ذلك بالتزامن مع توجه أوروبي أوسع لتشديد حماية الأطفال من المخاطر الرقمية، بما في ذلك تأثير الخوارزميات والمحتوى المصمم لجذب المستخدمين وإبقائهم لأطول فترة ممكنة على المنصات.
تهديد صغير السن.. مشكلة أمنية جديدة
ويشير هذا التحول إلى أن أوروبا تواجه معركة مختلفة عن تلك التي خاضتها خلال ذروة تنظيم “داعش”، عندما كان التجنيد يعتمد بدرجة أكبر على شبكات محددة ودعاية معروفة.
أما اليوم، فيمكن أن يبدأ المسار من لعبة إلكترونية أو مقطع فيديو أو مجموعة دردشة، ثم يتطور تدريجيًا إلى محتوى أكثر تطرفًا، في وقت قد يكون فيه الشاب أو الطفل بعيدًا تمامًا عن أعين الأجهزة الأمنية أو أسرته.
ورغم انخفاض عدد الهجمات الإرهابية الكبرى مقارنة بسنوات ذروة تنظيم “داعش”، سجل الاتحاد الأوروبي 45 هجومًا إرهابيًا خلال عام 2025 في 10 دول أعضاء، وفق البيانات التي أوردتها التقارير الأوروبية، بينما تزايد القلق من هجمات فردية صغيرة ينفذها أشخاص تأثروا بمحتوى متطرف عبر الإنترنت.
وبذلك، لم تعد المعركة الأوروبية ضد الإرهاب تدور فقط حول مراقبة الخلايا والتنظيمات، بل أصبحت أيضًا معركة على المجال الرقمي الذي يعيش فيه الشباب؛ من الألعاب إلى منصات التواصل، ومن غرف الدردشة إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، حيث تحاول الجماعات المتطرفة الوصول إلى جيل جديد قبل أن تتمكن المؤسسات من اكتشاف عملية التجنيد.
وتواجه أوروبا معادلة صعبة: حماية الأطفال والشباب من الاستقطاب الرقمي، دون تحويل الفضاء الإلكتروني إلى مجال للمراقبة المفرطة أو التضييق على الحقوق والحريات. ولذلك، تبدو المواجهة المقبلة مرتبطة بقدرة الحكومات وشركات التكنولوجيا والمدارس والأسر على اكتشاف مؤشرات التطرف مبكرًا، قبل أن يتحول التأثير الافتراضي إلى عنف حقيقي.