اللوحة الرقمية في المدارس: دروس من تجارب السويد والدنمارك
في وقت تتجه فيه الجزائر نحو إدخال اللوحات الرقمية في المدارس الابتدائية والثانوية، تكشف التجارب الأوروبية عن حقائق مهمة يجب أن تأخذها السلطات التعليمية في بلادنا بعين الاعتبار.
الهدف المعلن واضح: تخفيف ثقل المحفظة المدرسية ومواكبة العصر الرقمي. لكن التجارب الواقعية في دول متقدمة تكنولوجيا تدق ناقوس الخطر وتدعو إلى مراجعة هذا التوجه.
السويد تراجع عن الرقمنة المكثفة
السويد، الرائدة في مجال التكنولوجيا الرقمية، كانت من أوائل الدول التي أدخلت اللوحة الرقمية بشكل واسع في المدارس وحتى في رياض الأطفال. الهدف كان إعداد الأطفال لعصر الرقمنة والتقليل من وزن المحافظ المدرسية.
لكن النتائج كانت مخيبة للآمال. أظهرت التقارير التربوية تراجعا واضحا في مستوى القراءة والفهم لدى التلاميذ. عدد معتبر منهم بات يجد صعوبة في قراءة النصوص الطويلة وفهمها وتحليلها.
أمام هذه المعطيات المقلقة، قررت السويد قبل سنتين إعادة الاعتبار للكتب المدرسية المطبوعة وتعزيز تعليم القراءة والكتابة بالوسائل التقليدية. هذا القرار لم يكن حنينا إلى الماضي، بل استجابة لنتائج ملموسة أظهرت أن الكتاب الورقي يظل عنصرا أساسيا في بناء الكفاءات الذهنية العميقة.
الدنمارك تعتمد النهج الهجين
الدنمارك، المشهودة لها بالتقدم الرقمي والأداء المدرسي المتميز، سلكت مسارا مشابها في الرقمنة المكثفة. لكن تقييم نتائج التحصيل المدرسي أثبت أن مستوى القراءة والكتابة، خاصة لدى التلاميذ الضعاف، لم يتحسن كما كان متوقعا.
هذا الوضع دفع السلطات الدنماركية مؤخرا إلى إعادة إدماج الكتب المدرسية الورقية بشكل واسع ضمن سياسة تعليمية جديدة تقوم على التوازن الهجين بين الورقي والرقمي.
اللوحة الرقمية لم تتم إزالتها، لكنها لم تعد أداة مركزية وحصرية، بل أصبحت وسيلة مكملة تستخدم في أنشطة محددة، في حين استعيد الكتاب المطبوع كدعامة أساسية للتعلم العميق.
الدراسات العلمية تؤكد تفوق الورق
تشير الأبحاث العلمية المتزايدة إلى أن القراءة على الورق تختلف معرفيا عن القراءة على الشاشة. الدراسات خلصت إلى أن الفهم والاستيعاب يكونان أفضل عند القراءة من نص مطبوع مقارنة بالنص الرقمي.
هذه الظاهرة، التي يسميها الباحثون "تأثير تفوق الورق على الشاشة"، تعود إلى عدة عوامل: الورق يوفر للقارئ مرجعيات مكانية، يقلل من عوامل التشتت، ويسمح بقراءة أبطأ وأكثر تأملا.
تحديات اللوحة الرقمية في الجزائر
رغم أن ثقل المحفظة المدرسية يمثل مشكلة حقيقية، إلا أن الحل الرقمي يواجه تحديات عديدة في السياق الجزائري:
التكلفة الحقيقية: اقتناء الأجهزة وصيانتها وتجديدها وتكوين المعلمين يمثل عبئا ماليا مستمرا قد يفوق تكلفة طباعة الكتب المدرسية.
البنية التحتية: ليس كل المؤسسات التعليمية مجهزة بالكهرباء المستقرة أو بوسائل صيانة قادرة على ضمان عمل الأجهزة بشكل دائم.
إدارة القسم: قد تفتح اللوحة الرقمية أبوابا واسعة أمام الألعاب والتطبيقات، مما يصعب مهمة الحفاظ على تركيز التلاميذ.
الحل في النهج المتوازن
بدلا من التوجه نحو تعميم اللوحة الرقمية، يمكن اعتماد حلول عملية ومتوازنة:
مراجعة شكل الكتاب المدرسي لجعله أخف وزنا وأكثر تركيزا، واعتماد نموذج تعليمي هجين يجمع بين الورق والرقمي، وتوفير خزائن داخل الأقسام لحفظ الكتب.
إن تجربة السويد والدنمارك تثبت بوضوح أن التحولات التربوية الكبرى يجب أن تبنى على الأدلة والتقييم المستمر، لا على الانبهار بالتكنولوجيا وحدها.
حري بوزارة التربية في بلادنا، استنادا إلى تجارب الغير، أن تنتهج خيارا تربويا متزنا يقوم على الجمع بين اللوحة الرقمية والكتاب الورقي في صيغة هجينة ومدروسة. هذا النهج المتزن وحده كفيل بأن يحقق هدفين: تخفيف العبء عن التلاميذ وضمان تعلم متين للأجيال القادمة.