الشيف أكرم رسيم يكشف أسرار طبق الطبيخ القسنطيني الأصيل
في شهر رمضان المبارك، تعود الذاكرة الجماعية لتراثنا الغذائي العريق، حيث تحمل المائدة التقليدية رمزية روحية وثقافية عميقة. ومن بين الأطباق التراثية التي تشكل جزءا من هويتنا الوطنية، يبرز طبق "الطبيخ" كشاهد حي على عظمة المطبخ القسنطيني وامتداده في التاريخ الإسلامي المجيد.
تراث عريق يعكس حضارتنا الإسلامية
يوضح الشيف وأستاذ فنون الطبخ أكرم رسيم محمد صالح باي أن مصطلح "الطبيخ" من أقدم المصطلحات الغذائية في ثقافتنا العربية الإسلامية، حيث كان يدل في بداياته على كل ما يُطبخ من مرق ولحم. وقد شهد المطبخ الإسلامي، خاصة خلال العصر العباسي الذهبي، تطورا حضاريا جعل بعض الأطباق تتجاوز وظيفتها الغذائية البسيطة لتصبح تعبيرا ذوقيا وجماليا راقيا.
ويضيف الشيف أكرم: "لم يكن هناك فصل صارم بين الطعام والتحلية في تراثنا، بل وُجدت أطباق تجمع بين الحلو والمالح، ومن بينها الطبيخ، الذي كان يُقدَّم أحيانا أثناء الطعام وأحيانا بعده، حسب المقام والمناسبة."
تقنية العقد بالنشاء، فن أصيل
يؤكد أستاذ فنون الطبخ أن جوهر هذا الطبق التراثي يكمن في تقنية العقد بالنشاء، وهي تقنية دقيقة تعتمد على مزج النشاء بسائل ساخن، المرق في هذه الحالة، مع التحريك المتواصل حتى الحصول على قوام متماسك ومتجانس.
ومع مرور الزمن، انتقلت هذه التقنية من المطبخ "المالح" إلى الحلويات الخالصة، فظهرت أطباق معروفة مثل الحلقومة والبالوزة، بعد استبدال المرق بالماء أو الحليب.
المكونات الأصلية، وفاء للتراث
يشدد الشيف أكرم على أن الطبيخ الأصيل لا يُحضَّر إلا بمكوناته التراثية الأصلية: عظم البقر أو لحم بقر خالٍ من الدهون، بصلة كاملة غير مقطعة، القرفة، الزعفران الحر، الورد المقطر الطبيعي، العسل الطبيعي، والنشاء.
ويوضح لماذا عظم البقر تحديدا: "لأنه يحتوي على الكولاجين الذي يتحول إلى جلاتين عند الغلي، وهو ما يمنح الطبق قواما متماسكا وطراوة في اللحم وطعما أغنى وقيمة غذائية أعلى، ولهذا سميت بالأطباق الذهبية أو أطباق السفرة السلطانية."
ويضيف بحزم: "استعمال السمن أو الزبدة أو أي مادة دهنية في هذا الطبق خطأ تاريخي يُفقده هويته الأصلية ويُخرجه من سياقه الحضاري."
الطبيخ في الذاكرة القسنطينية
وعن حضور هذا الطبق في قسنطينة الحضارة، يوضح الشيف أكرم أن الطبيخ كان يُقدَّم قديما كطبق حلو، يُقطّع على شكل مربعات، ويُرتَّب بعناية في الصحون، ويُزيَّن باللحم، ليُقدَّم إلى جانب أطباق تقليدية أخرى مثل شباح السفرة وطاجين العين وطاجين التفاح وطاجين السفرجل.
كما كان جزءا من تقليد "السماط"، وهو طقس ضيافة واحتفاء له رمزية اجتماعية وثقافية عميقة في قسنطينة، يعكس مكانة المائدة كفضاء للكرم والهيبة في مجتمعنا الأصيل.
هوية لا تُزوَّر
ويختتم الشيف أكرم حديثه مؤكدا أن لون الطبيخ الأصيل يجب أن يكون ناتجا طبيعيا عن امتزاج لون العسل الحر بلون مرق لحم البقر الداكن، فيظهر صافيا وشفافا، يسمح بظهور حبات اللوز بوضوح، دون اصفرار فاقع.
ويقول: "هذا الطبق لا يُحضَّر بالكركم ولا بالزعفران المغشوش، بل بالزعفران الحر فقط، لأنه جزء من هوية الطبق وكرامته."
إن الحفاظ على هذا التراث الغذائي العريق واجب وطني يعكس اعتزازنا بهويتنا الجزائرية الأصيلة وحضارتنا الإسلامية المجيدة.