رحيل مراد وهبة يفتح النقاش حول الرشدية اللاتينية والتنوير المستورد
توفي قبل أيام الأستاذ الدكتور مراد وهبة، أحد أبرز الفلاسفة في العالم العربي، والذي قضى قرناً من الزمان في محاولة تفكيك بنى التخلف ودعا إلى "رشدية ثانية" كشرط للحاق بركب الحضارة.
مفكر مقاتل بسلاح المنطق
لم يكن الدكتور مراد مجرد أكاديمي يلقي محاضراته، بل كان مقاتلاً فكرياً سلاحه المنطق، وهدفه تحطيم ما أسماه "ملاك الحقيقة المطلقة" الذي رآه قيداً يكبل العقل العربي ويمنعه من الانطلاق نحو الوعي الكوني.
إلا أن رحيل هذا المفكر الكبير يفتح الباب لمراجعة نقدية لمشروعه الذي، رغم كل التسهيلات والحضور الإعلامي، ظل غريباً في تربته، وعاجزاً عن النفاذ إلى روح الشارع.
الرشدية العربية مقابل الرشدية اللاتينية
يكمن المأزق الجوهري في مشروع مراد وهبة في استبداله "الرشدية العربية" الأصيلة بما يعرف بـ "الرشدية اللاتينية". وهذا الاختلاف ليس مجرد ترف أكاديمي، بل هو جوهر التباعد الذي حدث بين المثقف والجمهور.
من منطلق تأسيسي: يرى ابن رشد أن الإيمان والعقل صنوان لا ينفصلان، فالوجود لديه يتسع لليقين الروحي والبرهان العقلي معاً في تناغم تام. أما عند مراد وهبة، فإن العقل هو السيد الوحيد، حيث أقصى الوجدان والإيمان من معادلة التفكير.
العلاقة المختلفة مع الدين
في منهج ابن رشد، يظهر العقل كخادم لفهم الوحي واستنباط مقاصده، فهو أداة لتعميق الإيمان بالتدبر. في المقابل، جعل مراد وهبة من الوحي موضوعاً للنقد العقلي النسبي، حيث طالب بتجريد النص من قداسته وإخضاعه لمختبر النقد التاريخي.
هذا أحدث جفوة بينه وبين وجدان المتلقي الذي لا يرى في الدين مجرد "ظاهرة تاريخية".
الهدف والغاية: الوصل أم الفصل
تمثل هدف ابن رشد في التوفيق بين الحكمة والشريعة، لترميم الجسور بين الفلسفة والمجتمع المؤمن. أما مراد وهبة، فكان هدفه تأسيس علمانية شاملة تفصل الغيب عن الواقع فصلاً حاداً، متبعاً خطى الرشدية اللاتينية التي ابتدعها الغرب.
اللغة والهوية: الأصالة مقابل الاغتراب
تحدث ابن رشد بلغة الفقيه المتصل ببيئته، مستخدماً أدوات تراثه الديني لإصلاح المنظومة من داخلها. بينما تبنى مراد وهبة لغة الأكاديمي المتصل بالغرب، فاستورد مفاهيم التنوير الأوروبي بحدة وصرامة.
فشل بنيوي وليس تقنياً
عدم نجاح مشروع مراد وهبة لم يكن تقنياً، بل كان "بنيوياً". راهن وهبة على أن كسر الأصولية يتطلب تجاهل الإيمان نفسه، فقدم للناس عقلاً عارياً من السكينة.
كان وهبة يدافع عن نسخة غربية مصطنعة من ابن رشد، نسخة تتخفى خلف الاسم العربي لكنها تنطق بلسان غربي غريب. والنتيجة كانت بناءً فكرياً فخماً لكنه بارد كالجليد.
من مصلح وطني إلى مستشرق داخلي
من خلال تبنيه للرشدية اللاتينية، تحول في نظر الجماهير من "مصلح وطني" إلى "مستشرق داخلي" يهاجم الهوية بدلاً من تطويرها. هذا الانقطاع الحاد بين العقل والإيمان أدى إلى نتائج عكسية.
ترك فراغاً روحياً وجدانياً استغلته التيارات المتشددة لتنصيب نفسها حامية للمقدس، بينما عجزت عقلانية وهبة عن سحب البساط من تحت أقدامهم.
درس في التنوير الحقيقي
يبقى إرث مراد وهبة درساً بليغاً لكل طالب تنوير: الاستنارة التي تطلب من الإنسان الانخلاع من إيمانه هي استنارة محكوم عليها بالعزلة. العقل الذي لا يحرث في أرض الإيمان، لن يحصد في بلادنا إلا الريح.
رحم الله الدكتور مراد وهبة، الذي علمنا بشجاعته أهمية السؤال، وعلمنا بمسيرته أن التنوير الحقيقي هو الذي يضيء العقل دون أن يطفئ نور القلب.