أطباء سودانيون في كامبالا يقدمون الرعاية المجانية للاجئين
في مشهد يعكس التضامن العربي والإفريقي، أسس مجموعة من الأطباء السودانيين النازحين مركزاً طبياً في العاصمة الأوغندية كامبالا لعلاج لاجئي الحرب مجاناً، مواصلين دورهم الإنساني الذي لعبوه في ثورة 2019 ضد النظام السابق.
تضع طبيبة الأسنان شيماء محمود البالغة من العمر 29 عاماً قناعها الطبي، وقبل أن ترتدي القفازات ترفع صوت الموسيقى الهادئة المصحوبة بآيات من القرآن الكريم. هذه الطبيبة الشابة التي شاركت في الاحتجاجات ضد نظام البشير تعمل الآن في مركز السلام الطبي بحي كابالاغالا حيث استقر معظم اللاجئين السودانيين.
يدخل عليها اللاجئ السوداني عبد الله إبراهيم محمد وهو يشكو من مشاكل في أسنانه. يقول الرجل المسن: "لدي مشكلة كبيرة في أسناني، والآن سقطت حشوة أخرى عندما حاولت تناول الطعام". لكنه لا يستطيع تحمل تكاليف العلاج بصفته لاجئاً بدون عمل، ويضيف: "لقد ذهبت إلى العديد من المستشفيات، لكن الوضع هنا أفضل، الأطباء أفضل وأحصل على العلاج مجاناً".
مركز طبي متطور في قلب كامبالا
يقع مركز السلام الطبي في مبنى مؤلف من ثلاثة طوابق حيث يعمل أكثر من عشرة أطباء من السودان. منذ اندلاع الحرب في السودان عام 2023، فر ما يقرب من 100 ألف سوداني إلى أوغندا التي تستضيف حالياً مليوني لاجئ، أكثر من أي بلد آخر في القارة الإفريقية.
تقول طبيبة الأسنان شيماء وهي تفحص المريض بقلم مزود بكاميرا: "علينا أن نضع الحرب دائماً في اعتبارنا، فاضطرابات ما بعد الصدمة تؤثر على الأسنان". وتشرح أن كثيرين تصطك أسنانهم ليلاً نتيجة الإجهاد والصدمة، كما أن "اللثة غالباً ما تكون غير معتنى بها".
من ثورة 2019 إلى خدمة اللاجئين
شيماء نفسها اضطرت إلى الفرار عند اندلاع الحرب ولم تتمكن حتى من حزم فرشاة أسنانها. رغم صغر سنها، عاشت تجارب كثيرة، فقد كانت في الطليعة عندما نزل الناس إلى الشوارع في الخرطوم عام 2019 مطالبين بإنهاء نظام البشير.
تقول شيماء: "قمت بتنظيم معظم الأنشطة في جامعتي وكنت واحدة من المدنيين الذين تظاهروا من أجل حقوقهم". وتضيف ضاحكة وهي تشير إلى سروالها الجينز: "كان من المحظور في بلدي آنذاك أن ترتدي المرأة السراويل، وبعد عام 2019 حصلنا أخيراً على هذا الحق".
استثمار المدخرات في خدمة الإنسانية
الدكتور الصادق إبراهيم البالغ من العمر 42 عاماً هو كبير الأطباء وأحد الشركاء الثلاثة الذين نقلوا مدخراتهم من السودان واستثمروها في العيادة الجديدة. هذا الطبيب من دارفور افتتح عيادة خاصة في الفاشر، لكن الحرب دمرت كل شيء على يد ميليشيات قوات الدعم السريع.
يقول إبراهيم: "عندما وصلنا إلى أوغندا كنا عاطلين عن العمل وتساءلنا لماذا لا نفتتح هنا مستشفى". بالتعاون مع ثلاثة شركاء، جميعهم أطباء من السودان، استثمروا في هذا المركز الطبي واشتروا أجهزة ومعدات حديثة.
ويوضح رسالته بالقول: "نريد أن نواصل الروح والدور الذي لعبناه نحن الأطباء في الثورة في وطننا في المنفى أيضاً". يعمل المركز يومين للعلاج المجاني للاجئي الحرب، وثلاثة أيام للمرضى الذين يدفعون، وقد اشتهر حتى بين الأوغنديين الأثرياء.
هذا المثال الرائع للتضامن الإنساني يعكس قيم الأخوة العربية والإفريقية، ويؤكد أن العلم والطب لا يعرفان حدوداً في خدمة الإنسانية.