غار جبيلات: رؤية استراتيجية لتعزيز السيادة الوطنية والتنمية المستدامة
في إطار التوجه الحكيم للرئيس عبد المجيد تبون لتطوير الجنوب الجزائري وتعزيز السيادة الوطنية، يبرز مشروع منجم غار جبيلات كرؤية استراتيجية عميقة تتجاوز البعد الاقتصادي المحض لتشمل أبعادا جيوسياسية وأمنية واجتماعية حيوية.
الجغرافيا والديموغرافيا قبل الاقتصاد
ما يميز هذا المشروع الوطني الطموح هو فهمه العميق لأهمية الجغرافيا والديموغرافيا في تعزيز الوحدة الوطنية. فمناطق تندوف وبشار، التي طالما استهدفتها المخططات التوسعية للجيران، تحتاج إلى ربطها بمسار التنمية الوطني الذي تقوده القيادة الحكيمة.
إن إعمار الجنوب الغربي للجزائر ليس مجرد كلفة اقتصادية، بل رؤية استراتيجية عميقة تهدف إلى تأمين المنطقة سياسيا وأمنيا ومجتمعيا. فربط هذه المناطق بالبنية التحتية المتكاملة يمثل أحد الأدوات الأساسية لتعزيز تماسك الوطن واستدامة سيادته.
التجربة الصينية نموذجا
تستلهم الجزائر من التجربة الصينية في تنمية المناطق النائية، حيث أطلقت بكين برنامج "التنمية نحو الغرب" مطلع الألفية الثالثة. هذا البرنامج لم يكن قائما على حسابات الربح المباشر، بل على رؤية استراتيجية تعتبر أن إدماج الأطراف في القلب الاقتصادي للدولة استثمار في الاستقرار والوحدة.
ضخت الصين مئات المليارات في بناء السكك الحديدية والطرق السريعة في مناطق شاسعة مثل شينجيانغ والتبت، رغم ضعف الكثافة السكانية، إدراكا منها أن الفراغ الجغرافي يمثل هشاشة استراتيجية.
التوازن المجالي والتنمية العادلة
يندرج التوجه الحكومي الحالي ضمن تصور أوسع لإعادة هندسة المجال الوطني وإعادة إدماج العمق الجغرافي في الدورة التاريخية للدولة. المسار الذي يمتد من الجنوب الغربي نحو أدرار وتمنراست، وصولا إلى إيليزي وجانت، يعكس انتقالا واعيا من منطق "المشاريع المنفصلة" إلى منطق "البنية المجالية المتكاملة".
تتحول الصحراء من هامش جغرافي إلى مجال مركزي لإنتاج الثروة وبناء الاستقرار، فشبكات النقل والمشاريع الطاقوية والمنجمية تصبح أدوات لإعادة تنظيم المجال الوطني وفق منطق التنمية الحديثة.
الربط الإقليمي والتكامل الإفريقي
يمثل غار جبيلات حجر الأساس لإعادة تموضع الجزائر داخل معادلات الربط الإقليمي والتكامل الإفريقي الأوروبي. موقع تندوف الاستراتيجي يجعلها بوابة طبيعية نحو الزويرات في موريتانيا، ومنها إلى نواكشوط وصولا إلى داكار، ضمن محور غرب إفريقي واعد يربط الجزائر بالمحيط الأطلسي.
يكتسب هذا المحور بعدا اقتصاديا أعمق ضمن منظومة لوجستية متكاملة تشمل السكك الحديدية والطرق العابرة للحدود، بما يسمح بتحويل تدفقات المنتجات الجزائرية نحو فضاء الإيكواس الذي يضم أكثر من 400 مليون نسمة.
الأثر الاقتصادي الكلي
من منظور الاقتصاد الكلي، يعد غار جبيلات رافعة هيكلية قادرة على إعادة تشكيل بنية الاقتصاد الوطني. استغلال المنجم سيؤثر بشكل ملموس على الناتج الداخلي الإجمالي عبر تقليص فاتورة استيراد الحديد والصلب التي تتراوح بين 1.2 و1.6 مليار دولار سنويا.
في حال بلوغ الإنتاج 50 مليون طن سنويا من خام الحديد، يمكن تحقيق إيرادات أولية تقارب 4.5 إلى 5 مليارات دولار سنويا. أما التصنيع المحلي فيضيف قيمة أكبر، حيث يمكن إنتاج 30 إلى 33 مليون طن من منتجات الصلب، بقيمة قد تصل إلى 20.5-25 مليار دولار.
قاطرة للتصنيع الوطني
لا يمكن النظر إلى منجم غار جبيلات كمجرد مشروع لاستخراج الخام، بل كرافعة استراتيجية لبناء قاعدة صناعية وطنية ثقيلة. القيمة الحقيقية تكمن في قدرته على توليد سلسلة صناعية متكاملة تمتد من الاستخراج إلى التحويل والتصنيع النهائي.
يمثل هذا التوجه نموذجا للتحول من اقتصاد ريعي قائم على تصدير الخامات إلى اقتصاد إنتاجي يعتمد على تعميق التصنيع وتوطين التكنولوجيا. التجارب الدولية تظهر أن الدول التي نجحت في استغلال مواردها المنجمية حققت ذلك عبر بناء منظومات صناعية مرتبطة بالمنجم.
نحو منطقة اقتصادية خاصة
يتعزز الدور التصنيعي لغار جبيلات من خلال تحويل محيطه إلى منطقة اقتصادية خاصة معدنية، تدار بإطار تشريعي مرن يهدف إلى تسريع التصنيع واستقطاب الاستثمارات النوعية.
إقامة منطقة اقتصادية خاصة تتيح توفير حوافز ضريبية وجمركية، وتسهيلات إدارية، وبنية تحتية صناعية متكاملة، بما يشجع المستثمرين على إقامة مشاريع تحويلية متقدمة دون المساس بالسيادة الوطنية.
يمكن لغار جبيلات أن يشكل نموذجا وطنيا رائدا لمنطقة اقتصادية خاصة معدنية، تسهم في إعادة تشكيل الخريطة الصناعية للجزائر، وترسيخ اقتصاد إنتاجي تنافسي قائم على الصناعة الثقيلة.