غزة بين رفض نتنياهو ووعود ترامب: مذكرة الـ15 بندا تتبخر والقطاع على حافة المجاعة
في مشهد يعكس تعقيدات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تتبخر مذكرة الـ15 بندا التي طرحها مجلس السلام برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد رفض رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لها بشكل قاطع. هذا الرفض، الذي أعلن في اجتماع الحكومة الإسرائيلية يوم الأحد الماضي، ينسف آخر الآمال في تسوية سياسية لقطاع غزة، ويترك القطاع المحاصر تحت وطأة تمدد استيطاني عسكري وخطر مجاعة وشيكة.
ما هي مذكرة الـ15 بندا ولماذا رفضها نتنياهو؟
المذكرة، التي صدرت كجزء متمم لخطة ترامب ذات الـ22 نقطة، كانت تقوم على معادلة مزدوجة: نزع سلاح حركة حماس بالتزامن مع انسحاب تدريجي لجيش الاحتلال الإسرائيلي من غزة. وكانت حماس قد أبدت قبولا مبدئيا للخطة، شرط أن يكون نزع السلاح مشروطا بإنهاء العدوان الإسرائيلي والانسحاب الكامل. لكن نتنياهو اشترط تجريدا كاملا وفعليا لسلاح حماس كشرط مسبق لأي خطوة عسكرية، مؤكدا أن جيش الاحتلال لن ينسحب مليمترا واحدا قبل تحقيق ذلك.
هذا التعارض الجوهري، كما ترى المحامية الأمريكية إيرينا تسوكرمان، حوّل المذكرة من خارطة طريق عملية إلى تمرين نظري بلا مقومات على أرض الواقع.
كيف تغيرت الجغرافيا الميدانية في غزة؟
على الأرض، يظهر أن جيش الاحتلال تجاوز الحدود المتفق عليها في خطة ترامب، حيث زحزح المكعبات الخرسانية الصفراء إلى عمق القطاع بمسافات تتجاوز الكيلومتر الواحد. وباتت قوات الاحتلال تسيطر فعليا على أكثر من 60% من مساحة غزة، متجاوزة النسبة المقررة في اتفاق أكتوبر. هذا التمدد، الذي يتماشى مع تعهد نتنياهو بتوسيع السيطرة إلى 70% من القطاع، يثير خلافا علنيا مع واشنطن التي تؤكد عدم تأييدها لهذه التوجهات.
ويحذر خبراء عسكريون من أن هذا الخط يتحول عبر تشييد البنية التحتية العسكرية الثابتة من ترتيب مؤقت إلى احتلال دائم غير قانوني، يحشر 2.1 مليون فلسطيني في أقل من نصف مساحة القطاع.
ما هو مصير اللجنة الوطنية وقوة الاستقرار؟
على الصعيدين الإداري والأمني، يعيش القطاع حالة من الفراغ التنفيذي. فرغم إعلان حماس حل حكومتها واستعدادها لنقل المهام إلى اللجنة الوطنية الفلسطينية، إلا أن هذه اللجنة لا تزال تعمل من القاهرة ولم تتمكن من دخول غزة. مصر، بصفتها إحدى الدول الراعية، تطالب بتمكين اللجنة من مباشرة مهامها من داخل القطاع لسد الفراغ الإداري.
أما ملف نشر قوة الاستقرار الدولية، فهو معطل بالكامل. فرغم موافقة الكابينت الإسرائيلي سابقا على نشر نحو 200 جندي دولي، لم يتم نشر أي من هذه القوات على الأرض، مما يعيق عمليات إعادة الإعمار ويدخل القطاع في حلقة مفرغة.
لماذا يتصلب نتنياهو في موقفه؟
مواقف نتنياهو المتصلبة ترتبط ارتباطا وثيقا باقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في نهاية أكتوبر 2026. ائتلافه الحاكم يتراجع في استطلاعات الرأي، مما يدفعه للخضوع لضغوط شركائه من صقور اليمين المتطرف، وعلى رأسهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش. نتنياهو أعلن صراحة أنه طالما هو رئيس للوزراء، لن تقام أي دولة فلسطينية، متحديا الضغوط الأمريكية.
في المقابل، أظهرت حماس مرونة تكتيكية، معيدة التأكيد على التزامها بتنفيذ خطة الـ15 بندا، ومطالبة الوسطاء وأمريكا بالضغط على حكومة الاحتلال.
ما هو الواقع الإنساني المأساوي في غزة؟
الواقع الإنساني في غزة كارثي. حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من وصول القطاع رسميا إلى مرحلة المجاعة. التقييمات الميدانية تظهر أن 67% من السكان، أي نحو 1.4 مليون فلسطيني، يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينما يقف 10% على حافة المجاعة مباشرة. 4 آلاف طفل بحاجة ماسة لرعاية صحية وغذائية متخصصة.
ارتفعت حصيلة الضحايا إلى أكثر من 73,000 شهيد، ونزوح نحو 1.9 مليون شخص يمثلون 90% من السكان. جنود الاحتلال أنفسهم، في شهادات وثقتها منظمة كسر الصمت الإسرائيلية، يؤكدون أن الحديث عن وقف إطلاق النار ليس سوى مزحة إعلامية تضلل الرأي العام.
هل لا يزال إطار السلام قابلا للتطبيق؟
يرى بعض المحللين أن إطار السلام لا يزال قابلا للتطبيق، بشرط استعداد واشنطن لفرض الترتيب الإجرائي المكتوب فيه. لكن الإدارة الأمريكية الحالية تفضل الإقناع والتفاوض على الإكراه، خوفا من التكلفة السياسية الداخلية، مما أدى لتآكل المصداقية الأمريكية وتراجع النفوذ العملي لصالح التطورات الميدانية.
في النهاية، تحولت خطة السلام الأمريكية من خارطة طريق عملية إلى مرجعية إعلامية شكلية، بينما يُدار المشهد الحقيقي بقوة الدفع الذاتي والآلة العسكرية الإسرائيلية، ليبقى قطاع غزة رهينة جغرافيا تتقلص باستمرار وكارثة إنسانية تزحف سريعا نحو المجاعة.