وثيقة القاهرة للفتوى وحماية الأسرة.. خارطة طريق لمواجهة التحولات الاجتماعية والرقمية
أصدرت دار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، وثيقة القاهرة للفتوى وحماية الأسرة، وهي من أبرز نتائج المؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء، الذي انعقد يومي 2 و3 سبتمبر 2026 تحت عنوان “التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى: مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية”، برعاية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وتقدّم الوثيقة رؤية إفتائية متكاملة، تنطلق من مكانة الأسرة باعتبارها المؤسسة الاجتماعية الأولى والوحدة الأساسية في بناء المجتمع والحفاظ على استقراره وهويته، وتستند إلى ما قرّره القرآن الكريم والسنة النبوية من منظومة متكاملة لحماية الأسرة وتنظيم العلاقات داخلها، مع استحضار التحولات الاجتماعية والثقافية والتقنية والاقتصادية والفكرية المتسارعة التي أفرزت تحديات جديدة تستدعي تطوير أدوات الإفتاء وآلياته.
منظور وقائي وإصلاحي لحماية الأسرة
وتؤسس وثيقة القاهرة لمنظور متكامل، لا يقف عند حدود المعالجة التشريعية أو التعامل مع المشكلات بعد وقوعها، بل يمتد إلى بناء منظومة وقائية وإصلاحية، تبدأ بتثبيت الأسس الإيمانية والقيمية التي تقوم عليها الأسرة، وتنظيم الحقوق والواجبات على أساس من العدل والتوازن، وتفعيل آليات الإصلاح والوساطة والدعم الاجتماعي. كما تجعل مقاصد الشريعة في حفظ النسل وصيانة الكرامة الإنسانية وتحقيق العدل والاستقرار، إطارًا حاكمًا للاجتهاد في النوازل الأسرية المعاصرة، بما يقتضي الجمع بين ثبات الأصول وفهم الواقع واستشراف المآلات والنتائج النفسية والاجتماعية والتربوية المترتبة على الفتوى.
مواجهة التحولات الكبرى في المجتمعات
وفي مواجهة التحولات الكبرى التي تشهدها المجتمعات، تتبنى الوثيقة معالجة متعددة الأبعاد، تستوعب أثر تصاعد النزعة الفردية، وتغير منظومة القيم، وتراجع بعض أنماط التواصل الأسري المباشر، وارتفاع معدلات الطلاق والتفكك، إلى جانب الضغوط الاقتصادية الناتجة عن ارتفاع تكاليف الزواج والسكن والمعيشة والبطالة والديون. وتهدف هذه المعالجة إلى دعم الوعي الأسري، وتعزيز قدرة الأسرة على مواجهة الأزمات والتكيف مع المتغيرات، مع الحفاظ على ثوابتها وقيمها الأساسية.
التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في الوثيقة
ويحظى التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي باهتمام خاص في الوثيقة، انطلاقًا من تأثير المنصات الرقمية ووسائل التواصل والخوارزميات في أنماط التواصل والعلاقات داخل الأسرة. فبينما توفر هذه الوسائل فرصًا في التعليم والإرشاد والخدمات، قد ينتج عن الاستخدام غير المنضبط لها مخاطر تتعلق بضعف الحوار المباشر، وانتهاك الخصوصية، والابتزاز الإلكتروني، والمقارنات الاجتماعية، والتعرض للمحتوى الضار، إلى جانب التزييف العميق والعلاقات الافتراضية والتفاعل العاطفي مع الآلات. وتؤكد الوثيقة على ضرورة بناء تربية رقمية واعية، وحماية الأطفال والبيانات والخصوصية، ووضع ضوابط شرعية وأخلاقية للتطبيقات المرتبطة بالقرارات الأسرية الحساسة، مع عدم الاستغناء عن الإشراف البشري المؤهل في القضايا التي تتطلب تقديرًا شرعيًا وإنسانيًا دقيقًا.
مصلحة الطفل في قلب منظومة الحماية
وتضع الوثيقة مصلحة الطفل وسلامته في قلب منظومة الحماية الأسرية، بما يضمن توفير بيئة آمنة ومستقرة تكفل احتياجاته النفسية والتربوية والاجتماعية، مع معالجة القضايا المتصلة بالحضانة والرؤية والنفقة والكفالة، ووضع مسارات آمنة للتعامل مع العنف الأسري والإدمان والابتزاز الإلكتروني وغيرها من المخاطر. كما توسّع مظلة الحماية لتشمل الفئات الأكثر احتياجًا، ومن بينها الأيتام والمكفولون وذوو الإعاقة وكبار السن والأرامل والمطلقات والأطفال المتأثرون بالنزاعات والأسر الفقيرة والمهاجرة، بما يعزز مفهوم المسؤولية المجتمعية المشتركة تجاه الأسرة وأفرادها.
معالجة متوازنة لقضايا المرأة والأسرة والهوية
وفي المجال الفكري والحقوقي، تطرح الوثيقة معالجة متوازنة للقضايا المتصلة بالمرأة والأسرة والهوية، من خلال التمييز بين المطالب المشروعة المرتبطة بالكرامة والعدل ورفض العنف والتمييز، وبين التصورات التي قد تؤدي إلى تقويض البناء المؤسسي للأسرة أو تحويل العلاقات الأسرية إلى علاقات مؤقتة تحكمها المنفعة. وتؤكد الوثيقة على احترام الخصوصيات الدينية والثقافية، ورفض فرض نموذج ثقافي واحد على المجتمعات، واعتماد الدراسة العلمية المتأنية عند التعامل مع الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالمرأة والأسرة، والتمييز بين نصوص الاتفاقيات وتفسيراتها وتوصياتها اللاحقة، مع بيان مواطن الاتفاق أو التحفظ واقتراح البدائل التشريعية والحقوقية الملائمة.
البعد الاقتصادي والاجتماعي في الوثيقة
وعلى المستوى الاقتصادي، يمتد هذا التصور إلى تفعيل أدوات الزكاة والوقف والتمويل وبرامج الدعم والسكن، ومساندة الأسر التي تواجه أعباء المعيشة وتكاليف الزواج، والدعوة إلى سياسات اجتماعية تراعي احتياجات الأسر متعددة الأبناء وتدعم استقرارها. كما تدعو الوثيقة إلى إنشاء مجالس استشارية أسرية تضم المتخصصين في الإفتاء والقضاء والتعليم والصحة والتضامن الاجتماعي، بما يرسخ التكامل المؤسسي ويحول دون معالجة قضايا الأسرة بصورة مجزأة.
دور جديد للفتوى في حماية الأسرة
وتقدم وثيقة القاهرة للفتوى وحماية الأسرة في مجملها تصورًا جديدًا لدور الفتوى، ينتقل بها من الاستجابة للمشكلة بعد وقوعها إلى بناء منظومة استباقية للوقاية والتأهيل والإرشاد وصناعة الوعي. وتربط الوثيقة بين التأصيل الشرعي والمقاصدي، وفهم التحولات الكبرى، والاستفادة المنضبطة من التطور التقني، والتكامل مع مؤسسات الدولة والمجتمع والبحث العلمي، بما يعزز قدرة الخطاب الإفتائي على مواكبة القضايا الأسرية المتجددة، ويحافظ على ثوابت الأسرة وقيمها، ويدعم تماسكها واستقرارها، ويؤهلها لمواجهة تحديات المستقبل في عالم سريع التحول.
مسارات تنفيذية للحكومات والمؤسسات
وتختتم الوثيقة رؤيتها بمجموعة من المسارات التنفيذية الموجهة إلى الحكومات والبرلمانات ومؤسسات الإفتاء والجامعات ومراكز البحث، وتشمل:
- مراجعة التشريعات ذات الصلة بالأحوال الشخصية.
- توسيع برامج تأهيل المقبلين على الزواج.
- توفير الدعم الاجتماعي والسكن الملائم.
- تعزيز حماية الطفل والأسرة في البيئة الرقمية.
- إنشاء وحدات متخصصة في الإرشاد والوساطة الأسرية.
- تطوير المحتوى الإفتائي الرقمي.
- إطلاق حملات دولية دورية للتوعية بقضايا الأسرة.
- إنشاء كراسي ومراكز بحثية متخصصة في فقه الأسرة المعاصر ومقاصد الشريعة.
- تطوير المناهج الأكاديمية وإقامة شراكات بين العلوم الشرعية وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلوم الأسرة.
- اعتماد أدوات علمية لقياس أثر الفتوى الأسرية في مؤشرات التماسك والاستقرار الاجتماعي.
وتأتي هذه الوثيقة في وقت تتصاعد فيه التحديات الأسرية عالميًا، لتشكل خارطة طريق واضحة للحكومات والمؤسسات الدينية، في إطار الحفاظ على الأسرة كركيزة أساسية للمجتمع، مع مواكبة التحولات الرقمية والاجتماعية الكبرى.