مبادرات منزلية في لبنان تحوّل الفواكه من كساد الحرب إلى منتجات طبيعية
في وقتٍ يعاني فيه المزارعون اللبنانيون من تراجع كبير في قدرتهم على بيع محاصيلهم بسبب الحرب وتقلّص أسواق التصدير، برزت مبادرات منزلية مبتكرة تسعى إلى تحويل الفواكه التي يرفض التجار شراءها إلى منتجات طبيعية قابلة للحفظ، ما يوفّر مورداً إضافياً ويحدّ من هدر المحاصيل.
وتعتمد هذه المبادرات على استغلال كل ما تنتجه الأرض، بما في ذلك الفواكه والأعشاب وبقايا عمليات التصنيع، في خطوة تعكس صمود المزارعين في وجه الأزمة الاقتصادية الخانقة.
من التقاعد إلى مشروع إنتاجي ناجح
وتقول ماجدة، صاحبة شركة “فلورا هيل”، إنها بدأت مشروعها بعد التقاعد، مستفيدة من خبرتها في التعامل مع المنتجات الطبيعية ورغبتها في استثمار ما توفّره الطبيعة بأقل رأس مال ممكن. وتعمل ماجدة على تحويل التفاح والخوخ والكرز والإجاص والتين إلى منتجات متنوعة، أبرزها ما تسمّيه “عجينة الفواكه”، وهو منتج طبيعي خالص يعتمد على الفاكهة وحدها دون إضافة السكر أو النشويات أو المواد الحافظة.
وتشرح ماجدة أن إنتاج هذه العجينة يبدأ بغلي الفاكهة لنحو 3 ساعات لإزالة الماء والوصول إلى قوام مركّز، قبل مدّها وتجفيفها، موضحةً أن كل كيلوغرام من الفاكهة لا ينتج سوى نحو 100 غرام من المنتج النهائي، نظراً لعدم إضافة أي مكونات أخرى.
الشمس وسيلة للحفظ
وتعتمد ماجدة على التجفيف الطبيعي تحت أشعة الشمس؛ إذ تترك شرائح الخوخ في الهواء لنحو ساعة قبل جمعها ومدّها وتجفيفها مجدداً، وتستمر العملية لنحو 17 يوماً، مع إدخال المنتجات إلى الداخل خلال الليل. وتؤكد أن هذه الطريقة تسمح بتجفيف الفاكهة من الجهتين وحمايتها من الغبار والحشرات، كما تتيح الاحتفاظ بها لنحو عام، على أن تُقطع عند الحاجة إلى الاستهلاك.
ولا يقتصر استغلال المحاصيل على ثمار الفاكهة، إذ تحاول المبادرة الاستفادة من مختلف أجزاء المحصول؛ ففي موسم الكرز، تُستخدم الأعناق في منتجات أخرى، بينما تُحوَّل البذور بعد غسلها إلى وسائد يمكن تسخينها في الشتاء أو تبريدها في الصيف. وتتوسع المبادرة كذلك إلى الأعشاب البرية والعطرية، كاللافندر والنباتات التي تنمو في مناطق مختلفة، حيث تُستخدم بعضها في التقطير، بينما تُستغل المخلّفات المتبقية في صناعة الصابون بالطريقة الباردة.
أزمة اقتصادية أوسع يعيشها المزارعون
ويشار إلى أن خلف هذه المبادرات أزمة اقتصادية أوسع يعيشها المزارعون اللبنانيون، إذ يقول المزارع إسماعيل إن الحرب أدّت إلى تراجع كبير في القدرة على بيع المحاصيل وتصديرها. ويوضح أن بعض الفواكه أصبحت تُباع بأسعار متدنية للغاية، حيث تراجع سعر صندوق التفاح من نحو 20 دولاراً إلى ما بين 7 و10 دولارات.
ويشير إسماعيل إلى أن هذا الانخفاض في الأسعار لا يعني تراجع كلفة الإنتاج، فالمزارع لا يزال يتحمّل نفقات الأسمدة والأدوية والعمالة، مما يجعل العائد في نهاية الموسم بالكاد يغطي جزءاً من التكاليف.
تراجع التصدير يفاقم الخسائر
ويبرز تراجع أسواق التصدير باعتباره السبب الأبرز للأزمة، حيث تؤكد شهادات المزارعين أن الاضطرابات الملاحية وتداعيات الحرب الإقليمية قلّصت قدرتهم على الوصول إلى الأسواق الخارجية، مما أدى إلى تراكم الفائض وتراجع المبيعات بشكل غير مسبوق.
وكانت مصر من أبرز الوجهات التي تستقبل التفاح اللبناني، لكنها باتت تستورد كميات أكبر من تركيا، وفقاً لإسماعيل، مما زاد الفائض والضغط على السوق المحلية، التي لا تستطيع استيعاب كل الكميات المنتجة فتتراجع الأسعار أكثر.
وفي ظل هذا الواقع، باتت المبادرات المنزلية تقدّم مساراً مختلفاً للتعامل مع فائض الإنتاج؛ إذ لا تعتمد فقط على بيع المحصول طازجاً، وإنما تحاول إطالة عمره وتحويله إلى منتج ذي قيمة مضافة. وبينما لا تستطيع هذه المشاريع وحدها حل أزمة التسويق والتصدير، فإنها تمنح بعض المزارعين فرصة لتقليل الهدر والاستفادة من ثمار كان مصيرها في السابق أن تبقى في الأرض أو تُباع بأسعار لا تغطي كلفة إنتاجها الباهظة.