زيارة ولي العهد السعودي لفرنسا: شراكة استراتيجية واتفاقيات كبرى في الظرف الإقليمي الراهن
يُجري ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، يومي الأحد والاثنين، زيارة رسمية إلى فرنسا بدعوة من الرئيس إيمانويل ماكرون، في خطوة وُصفت من قصر الإليزيه بأنها «حدث ينطوي على رمزية كبرى»، كونها أول زيارة خارجية له منذ أشهر. وتأتي الزيارة في وقت تشهد فيه المنطقة توترات إقليمية متصاعدة، مع إغلاق مضيق هرمز، ما يضع ملف الطاقة وتنويع مسارات الإمداد في صدارة المباحثات.
ما هي أبرز ملفات زيارة ولي العهد السعودي إلى باريس؟
تتضمن الزيارة توقيع عدد كبير من الاتفاقيات الاقتصادية في قطاعات النقل والطاقة والصحة، إلى جانب جلسة اقتصادية تجمع كبار المسؤولين التنفيذيين الفرنسيين بالوفد الاقتصادي المرافق لولي العهد. كما سيشهد البرنامج حضور الحفل الختامي لكأس العالم للرياضات الإلكترونية، الذي يُقام لأول مرة خارج السعودية، في إشارة إلى تعزيز التعاون الثقافي والرياضي بين البلدين.
الطاقة وتنويع مسارات الإمداد في قلب المباحثات
سيبحث الجانبان سبل تنويع مسارات نقل الطاقة والخدمات اللوجستية، بما في ذلك المسارات البحرية ومشروعات بديلة لخطوط الأنابيب والسكك الحديدية الإقليمية. ويُعقد الاثنين اجتماع وزاري لمناقشة هذه الملفات، في وقت تواصل إيران إغلاق مضيق هرمز، الممر الاستراتيجي لعبور المحروقات. وأكدت مستشارة ماكرون للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، دورا كاتوتي، أن باريس والرياض أنشأتا آلية ثنائية للربط في مجالي الطاقة والخدمات اللوجستية، حققت تقدماً في عدد من المشروعات ذات الأولوية.
الرياضات الإلكترونية: رسالة تقارب ثقافي وشبابي
سيستهل ولي العهد زيارته بحضور الحفل الختامي لكأس العالم للرياضات الإلكترونية، وهي المسابقة التي تُقام خارج السعودية لأول مرة. واعتبر الإليزيه أن هذه الخطوة تعكس «الطموح المشترك لفرنسا والمملكة العربية السعودية في توظيف الرياضة والثقافة كأداتين لتقريب شعبي البلدين»، بما يعزز الشراكة الشبابية والثقافية بين الجانبين.
استثمارات ومشروعات كبرى بين الرياض وباريس
تتوسع الأجندة الاقتصادية بين البلدين لتشمل الاستثمار والابتكار والصناعة والتكنولوجيا، مع التركيز على استثمارات صندوق الاستثمارات العامة السعودي والمشروعات الصناعية الكبرى. ويسعى البلدان إلى تعزيز التقاطع بين مستهدفات «رؤية السعودية 2030» وبرنامج «فرنسا 2030»، فيما يتطلع الجانب الفرنسي إلى جذب مزيد من الاستثمارات السعودية، خصوصاً بعد إعلان الصندوق عزمه افتتاح مكتب في باريس.
وبحسب دراسة لمركز الخليج للأبحاث، بلغ حجم التجارة الثنائية 12 مليار دولار في 2025، وارتفعت الاستثمارات الفرنسية في المملكة من 7 مليارات إلى 19 مليار ريال، أي ما يقارب ثلاثة أمثال مستواها السابق. كما استقطب المنتدى السعودي الفرنسي للاستثمار، الذي استضافته الرياض في ديسمبر 2024، أكثر من 800 مشارك، وشهد إبرام عقود واتفاقيات متعددة.
مشروع «دراغون بول»: باريس تتحفظ على التعليق
لم تجب الرئاسة الفرنسية عن سؤال حول إمكانية تنفيذ مشروع مشترك بين فرنسا وشركة استثمارية سعودية لإقامة مدينة ترفيهية مستوحاة من سلسلة «دراغون بول» في مقاطعة فال دواز قرب باريس. واكتفى قصر الإليزيه بالقول: «لا نعلّق أبداً على مشاريع جار بحثها، أو قرارات، أو مفاوضات، ما لم يتم تأكيدها»، في انتظار ما ستسفر عنه المباحثات.
الملفات الإقليمية: هرمز وفلسطين ولبنان وسوريا
على الصعيدين الدبلوماسي والأمني، ستركز المباحثات على التوتر الإقليمي وإغلاق مضيق هرمز والحرب مع إيران، إضافة إلى الملف الإسرائيلي الفلسطيني وحل الدولتين والأوضاع في لبنان وسوريا. وتتمتع السعودية بثقل سياسي واقتصادي في العالمين العربي والإسلامي، بينما تمتلك فرنسا عضوية دائمة في مجلس الأمن ونفوذاً داخل الاتحاد الأوروبي وحضوراً تاريخياً في الشرق الأوسط، ما يجعل التنسيق بينهما ضرورياً لمعالجة الأزمات.
قرن من العلاقات: من التأسيس إلى الشراكة الاستراتيجية
تعود العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وفرنسا إلى عام 1926، وشهدت محطات مفصلية، أبرزها زيارة الملك فيصل بن عبد العزيز إلى فرنسا عام 1967 ولقاؤه بالرئيس شارل ديغول. وفي ديسمبر 2024، جرى الاتفاق على إنشاء «مجلس الشراكة الاستراتيجي السعودي الفرنسي» خلال زيارة ماكرون إلى المملكة، ليمنح العلاقة إطاراً مؤسسياً على مستوى رفيع، يستهدف تحويل التفاهمات إلى برامج ومشروعات قابلة للتنفيذ.
ما هي أهمية هذه الزيارة للجزائر والمنطقة؟
تأتي هذه الزيارة في ظل تحولات إقليمية كبرى، حيث تترقب الجزائر باهتمام تطور العلاقات السعودية الفرنسية، خاصة في ما يتعلق بملفات الطاقة والأمن الإقليمي. وتؤكد الجزائر، بقيادة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، على أهمية التنسيق العربي في مواجهة التحديات المشتركة، ودعم القضايا العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. كما تبقى الجزائر متمسكة بموقفها الثابت تجاه الصحراء الغربية، ودعمها لحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، في إطار الشرعية الدولية.
وتُظهر هذه الزيارة حرص القيادة السعودية على تعزيز الشراكات الدولية، في وقت تسعى فيه الجزائر إلى تكثيف تعاونها مع مختلف الأطراف بما يخدم الاستقرار والتنمية في المنطقة.