الماء الساخن وضغط الدم: حقيقة علمية أم وهم؟
في زمن تنتشر فيه المعلومات غير المؤكدة على مواقع التواصل الاجتماعي، يبحث الكثير من الجزائريين عن حلول بسيطة لمرض ارتفاع ضغط الدم. ومن بين هذه الادعاءات، تردد أن شرب الماء الساخن يمكن أن يخفض ضغط الدم. فهل لهذا الكلام أساس علمي؟
يوضح أطباء القلب أن الماء الدافئ قد يؤدي إلى استرخاء مؤقت في الأوعية الدموية، لكنه ليس علاجا لارتفاع ضغط الدم. فالسيطرة على هذه الحالة تتطلب اتباع عادات حياتية صحية، ومراقبة منتظمة، وتناول الأدوية الموصوفة عند الضرورة.
هل يمكن للماء الساخن أن يخفض ضغط الدم؟
يقول الدكتور أشوين كولكارني، استشاري الطب العام في مستشفى رامايا ميموريال في بنغالورو، إن شرب الماء الدافئ قد يحدث استجابة فسيولوجية عابرة. وأضاف: 'عند احتساء الماء الدافئ، يسترخي الجسم بشكل طبيعي، وتتسبب الحرارة في توسع الأوعية الدموية الموضعية قليلا. وهذا التوسع المؤقت قد يقلل لفترة وجيزة من المقاومة الوعائية، ويساعد في تهدئة الارتفاع في ضغط الدم الناجم عن التوتر'.
يساهم الترطيب الجيد للجسم أيضا في دعم وظائف الكلى والدورة الدموية السليمة، وكلاهما مهم لصحة القلب والأوعية الدموية. لكن الدكتور كولكارني يؤكد أنه لا ينبغي الخلط بين هذا التأثير المؤقت وبين العلاج الفعلي.
لماذا لا يمكن للماء الساخن علاج ارتفاع ضغط الدم؟
ارتفاع ضغط الدم حالة طبية معقدة تتأثر بعوامل متعددة، منها تصلب الشرايين، والتنظيم الهرموني الذي تقوم به الكلى، ونشاط الجهاز العصبي، والعوامل الوراثية، والسمنة، والإفراط في تناول الملح، والخمول البدني. ولا يؤدي شرب الماء الدافئ إلى عكس هذه العمليات الكامنة.
ويحذر الخبراء من أن الاعتماد على الماء الساخن بدلا من الأدوية الموصوفة طبيا قد يؤخر العلاج المناسب ويزيد من خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية وأمراض الكلى. ويقول الدكتور كولكارني: 'إن الاعتماد على الماء الدافئ كبديل للعلاج القائم على الأدلة العلمية يشكل خطرا سريريا حقيقيا إذا أدى بالمرضى إلى تأخير التقييم الطبي أو إهمال الأدوية الموصوفة لعلاج ارتفاع ضغط الدم'.
ماذا تقول الأبحاث حول العلاج بالحرارة؟
وفقا للدكتور شيام ساسيدهاران، استشاري أمراض القلب في كيمز هيلث، تشير الأبحاث إلى أن العلاج بالحرارة، وتحديدا الغمر في الماء الساخن وليس مجرد شرب الماء الساخن، قد يوفر فوائد متواضعة لصحة القلب والأوعية الدموية. إذ تؤدي الحرارة إلى توسع الأوعية الدموية، مما يحسن تدفق الدم ويخفض الضغط داخل الشرايين بشكل مؤقت.
وقد خلصت مراجعة منهجية وتحليل تلوي أجريا عام 2021 وشملت 15 دراسة، إلى أن العلاج بالحرارة أدى إلى خفض كل من ضغط الدم الانقباضي والانبساطي بمقدار 4 ملم زئبقي تقريبا، مع تحسين وظائف الأوعية الدموية. وأظهرت دراسات أخرى أن العلاج المنتظم بالحرارة السلبية قد يحسن وظيفة البطانة الغشائية للأوعية الدموية، وأن جلسات الغمر في الماء الساخن التي تتراوح مدتها بين 20 و40 دقيقة أدت إلى خفض ضغط الدم الانقباضي على مدار 24 ساعة بمقدار 6-7 ملم زئبقي تقريبا لدى البالغين المصابين بارتفاع ضغط الدم.
ويقول الدكتور ساسيدهاران: 'يعتقد العلماء أن الحرارة تتسبب في توسع الأوعية الدموية، وهي عملية تعرف باسم توسع الأوعية. وعندما تسترخي الأوعية الدموية، يصبح تدفق الدم أكثر سهولة، مما يؤدي إلى انخفاض الضغط داخل الشرايين'. ومع ذلك، يؤكد الباحثون الحاجة إلى إجراء المزيد من الدراسات، مشيرين إلى أن هذه النتائج تتعلق في المقام الأول بالتعرض المتحكم فيه للحرارة، وليس بشرب الماء الساخن.
هل يمكن أن يكون العلاج بالحرارة ضارا؟
على الرغم من أن الحمامات الساخنة تعد آمنة عموما للكثيرين، إلا أن الحرارة المفرطة قد تؤدي إلى انخفاض حاد في ضغط الدم لدى بعض الأفراد. لذا، ينبغي على المصابين بأمراض القلب، أو انخفاض ضغط الدم، أو من يعانون من نوبات دوار متكررة، وكذلك من يتناولون أدوية موسعة للأوعية الدموية، استشارة الطبيب قبل اعتماد العلاج بالماء الساخن كجزء من روتينهم اليومي.
ويضيف الدكتور ساسيدهاران: 'قد يؤدي التعرض للحرارة أحيانا إلى انخفاض كبير في ضغط الدم، لا سيما لدى الأشخاص الذين يعانون من حالات طبية معينة أو أولئك الذين يتناولون أدوية قوية موسعة للأوعية الدموية'.
طرق مثبتة للسيطرة على ضغط الدم
يواصل أطباء القلب التوصية باستراتيجيات قائمة على الأدلة العلمية للسيطرة على ارتفاع ضغط الدم، وتشمل:
- التقليل من تناول الملح.
- ممارسة التمارين الرياضية لمدة لا تقل عن 150 دقيقة أسبوعيا.
- الحفاظ على وزن صحي.
- اتباع نظام غذائي متوازن غني بالفواكه والخضروات والحبوب الكاملة.
- الحد من تناول الكحول وتجنب التدخين.
- التعامل مع التوتر والضغوط النفسية.
- الالتزام بتناول أدوية ضغط الدم الموصوفة بانتظام.
قد يكون استخدام الماء الدافئ جزءا مريحا من نمط الحياة الصحي، لكنه لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يحل محل العلاج الطبي. وتظل الوقاية والعلاج تحت إشراف الأطباء هما السبيل الأمثل للحفاظ على صحة القلب والشرايين.