الصيد الترفيهي في البحر الأحمر: بين حماية البيئة البحرية والحفاظ على مصادر الرزق
يشكل ملف الصيد الترفيهي في البحر الأحمر واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وتشابكاً على المستويين البيئي والاقتصادي والسياحي، في ظل استمرار قرارات المنع من جانب مسؤولي الثروة السمكية وتصاعد مطالب الصيادين والعاملين بالأنشطة البحرية والسياحية وهواة الصيد من جانب آخر، بضرورة الانتقال من سياسة الإيقاف الكامل إلى منظومة تنظيم رشيدة توازن بين حماية البيئة البحرية والحفاظ على مصادر الرزق.
البحر الأحمر بيئة بحرية عالمية مهمة
أكد ياسر أبوالوفا، أحد هواة الصيد الترفيهي بالغردقة، أن البحر الأحمر واحد من أهم البيئات البحرية على مستوى العالم، وعلى امتداد سواحل البحر الأحمر، من الغردقة شمالاً مروراً بسفاجا والقصير وصولاً إلى مرسى علم جنوباً، يعيش آلاف المواطنين على أنشطة مرتبطة بالبحر.
ويأتي الصيد الترفيهي في قلب هذه الأنشطة، ليس باعتباره نشاطاً هامشياً أو ترفاً موسمياً، وإنما رافداً اقتصادياً وسياحياً متكاملاً، تعتمد عليه شريحة واسعة من المجتمع المحلي، تشمل هواة الصيد وملاك اللنشات السياحية، وأدلاء البحر، وعمال الموانئ، وورش الصيانة، وموردي المعدات البحرية، إضافة إلى عمالة غير مباشرة وجدت في هذا النشاط مصدر دخل مستقر نسبياً.
سياحة متخصصة عالية القيمة
أكد المهندس محمد أبوالروس، أحد هواة الصيد الترفيهي بالغردقة، أن الصيد الترفيهي بالبحر الأحمر يُعد أحد أشكال السياحة المتخصصة عالية القيمة، حيث يجذب سائحاً من نوع خاص سواء من المصريين أو الأجانب، غالباً ما يقيم لفترات أطول، وينفق بشكل أكبر، ويبحث عن تجربة طبيعية هادئة بعيدة عن الزحام.
وهو نمط سياحي يتماشى مع مفاهيم السياحة المستدامة، ويخفف الضغط عن الشواطئ المزدحمة والمنتجعات التقليدية.
المنع الكامل ليس حلاً مستداماً
أوضح أبو الروس أن المنع الكامل لا يمثل حلاً بيئياً مستداماً، بل قد يأتي بنتائج عكسية، إذ يدفع بعض الهواة إلى ممارسة النشاط بشكل غير رسمي وخارج الإطار القانوني، دون رقابة أو التزام بقواعد السلامة، ما يضاعف المخاطر البيئية والإنسانية، بدلاً من احتوائها داخل منظومة واضحة يسهل ضبطها ومحاسبة المخالفين فيها.
وطالب أبوالروس بتطبيق شامل وعادل للقوانين، يضمن حماية البحر دون تحميل فئة بعينها وحدها كلفة هذه الحماية، مشيراً إلى أن غياب الصيد الترفيهي المنظم قد ينعكس سلباً على الأمن والسلامة البحرية.
تحذيرات خبراء البيئة البحرية
حذر خبراء البيئة البحرية من أن الصيد الترفيهي، حال ممارسته دون ضوابط صارمة، قد يتحول إلى عنصر ضغط إضافي على المخزون السمكي، ويؤثر سلباً على التوازن البيئي الدقيق للشعاب المرجانية، خاصة في ظل وجود ممارسات خاطئة شهدتها بعض الفترات.
وتتجاوز آثار المنع حدود النشاط نفسه، لتكشف عن خسائر اقتصادية غير مرئية، حيث تتراجع أعمال العديد من الأنشطة المساندة المرتبطة بالصيد الترفيهي، وتقلصت فرص العمل الموسمية، وتضررت دخول مئات الأسر في المجتمعات الساحلية.
فقدان الميزة التنافسية السياحية
أكد محمود دندراوي أحد هواة الصيد الترفيهي، أن غياب الصيد الترفيهي المنظم من خريطة الأنشطة بالبحر الأحمر يُفقد المقصد السياحي ميزة تنافسية مهمة، في ظل وجود وجهات إقليمية ودولية نجحت في تنظيم هذا النشاط عبر تراخيص دقيقة، وتحديد مناطق ومواسم وأحجام صيد.
فراغ تشريعي واضح
على المستوى التشريعي، أكد محمد عرفات، الخبير القانوني، وجود فراغ تنظيمي واضح، حيث تعتمد إدارة الملف على قرارات مؤقتة بالمنع، دون إطار قانوني شامل ومستقر ينظم النشاط على المدى الطويل، ما يخلق حالة من عدم اليقين لدى العاملين والمستثمرين.
وأشار إلى أن الحل يكمن في نموذج توازني يقوم على التنظيم لا الإلغاء، من خلال إصدار تراخيص محدودة العدد والمدة، وتحديد أنواع وأحجام وكميات الصيد المسموح بها، وتخصيص مناطق بعيدة عن مواقع الغوص والشعاب المرجانية الحساسة.
الحاجة إلى رؤية شاملة ومستدامة
يبقى ملف الصيد الترفيهي في البحر الأحمر عالقاً بين منطق المنع السهل ومنطق التنظيم الصعب، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى رؤية شاملة ومستدامة تحمي واحدة من أغنى البيئات البحرية في العالم، دون إهدار فرص اقتصادية أو إغلاق أبواب رزق.
وتتطلب الرؤية المتكاملة للصيد الترفيهي إصدار تراخيص محددة العدد والمدة، وتحديد أنواع وأحجام وكميات الصيد المسموح بها، وتخصيص مناطق بعيدة عن مواقع الغوص والشعاب الحساسة، واستخدام وسائل التتبع والرقابة، مع إشراك جمعيات حماية البيئة في التفتيش، وتوجيه جزء من العائد المالي لدعم جهود حماية البحر الأحمر.