مصر تطلق ثورة صناعية من جريد النخيل: 16 مليون نخلة تكسر قيد استيراد الأخشاب
في خطوة استراتيجية تؤكد قدرة الدول العربية على الابتكار والاستفادة من مواردها الطبيعية، تقود مصر ثورة حقيقية في تحويل مخلفات النخيل إلى صناعة واعدة تحقق الاكتفاء الذاتي وتوفر العملة الصعبة.
كنز أخضر مهدور يتحول لثروة
تمتلك مصر ثروة هائلة تقدر بـ 16 مليون نخلة تنتج سنويا أكثر من 250 ألف طن من مخلفات الجريد والسعف. وبينما كانت هذه المخلفات تحرق في الحقول أو تلقى في المصارف، استطاعت العقول المصرية تحويلها إلى بديل عالمي للأخشاب المستوردة.
وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن مصر تستورد أخشابا بقيمة تتجاوز مليار ونصف مليار دولار سنويا، بينما لا تستفيد إلا من 20% من ثروتها من مخلفات النخيل.
تكنولوجيا حديثة لصناعة متطورة
لم يعد الجريد مقتصرا على صناعة السلال التقليدية، فالتكنولوجيا الحديثة حولت ألياف النخيل إلى ألواح خشبية عالية الجودة تضاهي خشب الزان والسويد في المتانة والجمال.
يؤكد الدكتور مجدي علام، الخبير البيئي، أن خشب النخيل يتميز ببصمة كربونية منخفضة ومقاومة طبيعية للنمل الأبيض والرطوبة، مما يجعله مطلوبا في الأسواق الأوروبية التي تفرض قيودا صارمة على الأخشاب التقليدية.
من القرية للعالمية
في ورش دمياط، يحكي المستثمر سيد أبو حسين قصة نجاح ملهمة: "كنا نشتري الجريد من المزارعين بمليمات، وبعد معالجته وتحويله إلى أثاث عصري، أصبحنا نصدر القطع لمتاجر باريس وأوروبا".
تمر القطع بمراحل تجهيز دقيقة تبدأ بالتقطيع والتجفيف والتقشير وصولا للتجميع والتشكيل، وتتميز بخفة الوزن والبرودة ومقاومة الحشرات.
استراتيجية الدولة للتطوير
اتخذت الدولة المصرية خطوات جادة لتحويل هذا القطاع إلى صناعة قومية من خلال:
إنشاء المصانع الكبرى: بدء إنشاء أكبر مصنع في الشرق الأوسط لإنتاج ألواح الـ MDF من مخلفات النخيل في الوادي الجديد بالتعاون مع وزارة الإنتاج الحربي.
دعم القرى المتخصصة: تزويد قرى الفيوم والقليوبية والوادي الجديد بآلات تقطيع وكبس حديثة وقروض ميسرة عبر جهاز تنمية المشروعات الصغيرة.
التطوير التسويقي: الاستعانة بمصممين عالميين لتطوير تصميمات عصرية تنافس في القصور والفنادق الكبرى كأثاث بيئي فاخر.
قوانين داعمة للاستدامة
أقرت الدولة قانون المخلفات الجديد الذي يمنع حرق المخلفات الزراعية ويحفز القطاع الخاص على تجميعها وتوريدها للمصانع، مما خلق سوق تداول للجريد.
هذه الخطوات أدت إلى إنتاج ألواح خشبية صلبة تستخدم في المطابخ والأثاث كبديل للخشب المستورد، وأصبح الأثاث البيئي مطلوبا في الفنادق البيئية في سيوة والجونة وأوروبا.
نحو مستقبل مستدام
تمثل تجربة مصر في تحويل مخلفات النخيل إلى ثروة اقتصادية نموذجا يحتذى به للدول العربية الغنية بهذه الثروة الطبيعية. فكل نخلة تعتبر بئر بترول متجدد فوق الأرض، والمطلوب هو تنظيم سلاسل التوريد وربط المزارع بالمصنع بالمصدر.
إن نجاح هذا المشروع لا يقتصر على توفير العملة الصعبة وحماية البيئة فحسب، بل يعيد صياغة هوية الصناعة العربية بلمسة ريفية ذكية تجمع بين الأصالة والحداثة.