سرقة الموناليزا: بيكاسو وأبولينير تحت مجهر التحقيقات الباريسية
في صائفة 1911، هزّت سرقة لوحة الموناليزا من متحف اللوفر العاصمة الفرنسية باريس، وتحوّلت إلى قضية رأي عام واسعة، لم تقتصر تداعياتها على البحث عن اللوحة وسارقها، بل امتدت إلى أوساط فنية وثقافية عريقة، ووصلت التحقيقات إلى أسماء لامعة في عالم الفن والأدب، على غرار الشاعر غيوم أبولينير والفنان بابلو بيكاسو.
ومع غياب أي خيط واضح يقود إلى مكان اللوحة، وسّعت الشرطة الفرنسية دائرة الاشتباه، لتشمل شخصيات كان حضورها في المشهد الثقافي الباريسي آنذاك ملفتاً، وهو ما زاد من حجم الضجة الإعلامية حول الجريمة.
أبولينير.. من شاعر إلى مشتبه به
كان غيوم أبولينير، في تلك الفترة، من أبرز الوجوه الأدبية في باريس، وارتبط اسمه بالحركة الفنية الطليعية، وبعلاقات واسعة مع الفنانين والكتّاب. ومع تصاعد التحقيقات في اختفاء الموناليزا، دخل أبولينير دائرة الشبهات، وجرى استجوابه من طرف الشرطة الفرنسية، على خلفية صلاته بأوساط فنية وثقافية كانت على تماس دائم مع سوق الأعمال الفنية والمقتنيات القديمة.
وأصبحت قضية استجوابه جزءاً من القصة الصحفية للجريمة، إذ لم تعد الصحف تتابع اختفاء اللوحة فحسب، بل بدأت تبحث عن أي اسم بارز يمكن أن يرتبط بالقضية، وهو ما زاد من حجم الضجة المحيطة بالسرقة.
بيكاسو أيضاً تحت التحقيق
ولم يتوقف الأمر عند أبولينير، إذ وصل التحقيق إلى الفنان الإسباني بابلو بيكاسو، الذي كان يقيم في باريس وأصبح في ذلك الوقت أحد الأسماء البارزة في الوسط الفني. وجرى استجواب بيكاسو ضمن التحقيقات، لكن الاشتباه فيه لم يتحول إلى اتهام ثابت، ولم تقدّم التحقيقات ما يثبت تورطه في سرقة الموناليزا.
وهكذا وجد اثنان من أبرز الأسماء في الثقافة والفن نفسيهما داخل واحدة من أشهر القضايا الجنائية المرتبطة بتاريخ الفن، ليس بسبب دليل قاطع، وإنما نتيجة دائرة الشبهات التي اتسعت مع فشل الشرطة في الوصول إلى اللوحة.
لماذا زادت الشكوك حول الأوساط الفنية؟
كانت سرقة الموناليزا مختلفة عن كثير من جرائم السرقة التقليدية، لأن اللوحة اختفت من داخل واحد من أشهر متاحف العالم، ولم يكن هناك في البداية تفسير واضح لكيفية خروجها من المبنى. ومع غياب النتائج، أصبحت الأوساط الفنية والثقافية نفسها محل اهتمام المحققين، خصوصاً أن اللوحة تمثل قطعة فنية ضخمة القيمة، وكان من المنطقي لدى المحققين بحث احتمال تورط أشخاص لديهم معرفة بالأعمال الفنية أو علاقات بسوق الفن.
لكن التحقيقات لم تصل في تلك المرحلة إلى السارق الحقيقي، بينما ظلت الموناليزا غائبة عن اللوفر.
الصحافة تحوّل القضية إلى فضيحة
أسهمت الشبهات التي طالت شخصيات معروفة في زيادة الاهتمام الإعلامي بالقضية، إذ باتت الصحف تتابع تفاصيل التحقيقات كما لو كانت رواية بوليسية، وتتوقف عند كل اسم يظهر في القضية. ولم يعد السؤال فقط: أين الموناليزا؟ وإنما أصبح أيضاً: من سرقها؟ ومن ساعده؟ وهل توجد شبكة وراء العملية؟ وهل للوسط الفني علاقة باختفاء اللوحة؟
ومع مرور الوقت، تحولت القضية إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الصحافة الأوروبية، بينما لم يكن أحد يعرف أن اللوحة كانت في الحقيقة مخبأة لدى سارقها طوال تلك الفترة.
براءة بيكاسو وأبولينير
ورغم الضجة التي صاحبت استجواب بيكاسو وأبولينير، فإن التحقيقات لم تثبت تورط أي منهما في سرقة الموناليزا، وبقيت الشبهات التي أحاطت بهما جزءاً من تاريخ القضية، لكنها لم تتحول إلى إدانة أو دليل يربطهما بالجريمة.
أما السارق الحقيقي، فينتشنزو بيروجيا، فلم يظهر اسمه في الصورة الكاملة إلا بعد أكثر من عامين، حين قادت محاولته بيع اللوحة في فلورنسا إلى كشف هويته والقبض عليه.